الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

فيلم 'للتذكرة' نموذج لفن التلاعب بالذاكرة والزمن والصور

المخرج البريطاني كريستوفر نولان جعل من الفيلم الأميركي إحدى الأفلام 'الأيقونية' لدى عشاق أفلام الفن، وقد رشح للحصول على جائزتي أحسن سيناريو وأحسن مونتاج في مسابقة الأوسكار.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/02، العدد: 10412، ص(16)]

شخصية مركبة ومربكة

لا شك أن عشاق السينما والمهتمين بأفلام النوعية الفنية، يتذكرون الفيلم الأميركي “للتذكرة” (أو ميمنتو) الذي عرض عام 2000 وكان هو الفيلم الذي وضع مخرجه البريطاني كريستوفر نولان، بقوة، على خريطة السينما العالمية لينطلق بعده ويخرج روائعه التي بلغت ذروتها بفيلم “بين النجوم”.

مؤخرا أعلنت شركة “إيه إم بي آي” أنها تعتزم إعادة إنتاج الفيلم بإمكانيات إنتاجية “تليق به”-طبقا للبيان الذي أصدرته الشركة- وأضافت أنها رصدت لذلك الغرض ميزانية تبلغ من 25 إلى 30 مليون دولار، في حين أنتج الفيلم الأصلي بميزانية محدودة لم تتجاوز وقتها 9 ملايين دولار، فالفيلم ينتمي إنتاجيا إلى ما يعرف بـ”السينما المستقلة” التي تنتج خارج هوليوود، ولم يكن يعتمد على أسماء لمشاهير النجوم، ولكنه مضى ليحقق حوالي 40 مليون دولار في عروضه الأميركية والعالمية، كما أصبح إحدى الأفلام “الأيقونية” لدى عشاق أفلام الفن، وقد رشح للحصول على جائزتي أحسن سيناريو وأحسن مونتاج في مسابقة الأوسكار.

لم تعلن الشركة بعد اسم المخرج الذي سيقوم بإعادة إخراج هذا الفيلم الذي أصبحت شهرته تمثل قيدا على كل من يتصدى له ويرغب في العثور على “أسلوب” مختلف يميزه عن أسلوب مخرجه الأول كريستوفر نولان، وهو العلامة الفنية المميزة للفيلم حتى اليوم. ورغم أن الشركة أعلنت أن “الطبعة الجديدة” من الفيلم ستكون “مخلصة” لفيلم نولان، إلا أن “الإخلاص” كلمة عامة لا تعني شيئا، أما إذا التزم المخرج الجديد بنفس أسلوب المخرج القديم، فسيصبح مجرد مخرج “مقلد” غير مبدع، لا يملك جديدا يضيفه.

صدمة الفيلم

كان كل شيء في فيلم “ميمنتو” غريبا، مفاجئا، صادما ابتداء من عنوانه الإيطالي الغريب ومعناه “التذكار” ليس معنى الهدية التذكارية بل بمعنى الشيء الذي يساعد على التذكر ولذلك رأيت أن أفضل ترجمة عربية له هي “للتذكرة” أي من أجل أن تتذكر، فبطل الفيلم (وهو في الحقيقة نقيض للبطل)، الغامض، المرتبك، “ليونارد” (يقوم بدوره الممثل الأسترالي غاي بيرس) يعاني من مشكلة شديدة الخصوصية تضيف إليه المزيد من الغموض الذي يتميز به أبطال أفلام الجريمة الرمادية الداكنة الغامضة المليئة المحمّلة بالأبعاد النفسية المعقدة، والتي كانت تنتج في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين وعرفت بـ”الفيلم نوار”.

سرد أقرب إلى الأسلوب التجريبي الشكلاني

ليونارد يملأ جسده كله نقوشا ووشمات بأرقام ومعلومات وأسماء، ويقوم بتدوين الكثير من هذه المعلومات في بطاقات خاصة يحتفظ بها، كما يتسلح بكاميرا من نوع “بولارويد” الفورية يستعين بها في تصوير من يقابلهم من أشخاص، أو الأماكن التي يتردد عليها لكي يتذكرها، وهو يحتفظ بكل هذه المعلومات والصور في ملفات خاصة.. والسبب في ذلك الهوس بالتسجيل، أنه يعاني من فقدان الذاكرة القريبة أي لا يستطيع تذكر الأحداث أو الشخصيات التي تمر عليه بعد دقائق من وقوعها أو اقترابه منها، فسرعان ما تضيع من ذاكرته تماما. وقد أصيب كما سنعرف، بهذا الخلل العقلي البيّن بعد أن شهد بعينيه اغتصاب زوجته ثم قتلها من قبل لص اقتحم مسكنهما، وعندما هرع لنجدتها تعرض لضربة عنيفة على رأسه وجّهها له زميل القاتل، أفقدته الوعي وتسببت في حدوث هذا الشرخ الدماغي الذي أفقده القدرة على تذكّر ما يقع له على المدى القريب. لكنه رغم ذلك، يتذكر جيدا الحادث، وقد أصبح هدفه الوحيد الآن، الوصول إلى قاتل زوجته والانتقام منه بقتله.

أسلوب تجريبي

هذه الملامح المركّبة للشخصية الرئيسية دفعت كريستوفر نولان الذي كتب سيناريو الفيلم وأخرجه، عن قصة قصيرة لشقيقه، إلى إتباع أسلوب سينمائي في الحكي، أي في لغة السرد، أقرب إلى الأسلوب التجريبي الشكلاني. ولا شك أن اهتمامه بالتلاعب بالشكل السينمائي في هذا الفيلم أكبر كثيرا من اهتمامه بتقديم “تفسير” أو توصيل “رسالة” ذات مضمون محدد، أو حتى الخلاص إلى نتيجة محددة تكشف كل الأوراق وتضعها أمام المشاهد على الشاشة كما عهدنا في هذا النوع من “الفيلم البوليسي”. فقد لجأ بدلا من ذلك، إلى أسلوب السرد العكسي، أي أنه يبدأ فيلمه من الحدث الأخير ففي أول مشهد من مشاهد الفيلم نرى ليونارد يقتل “تيدي” الذي يعتقد أنه ليس سوى “جون ج” قاتل زوجته (يقوم بدوره جو بانتوليانو في أداء يضفي طابعا مرحا على الشخصية). ثم يعود الفيلم تدريجيا عبر سلسلة من المشاهد الاسترجاعية مشهدا إلى ما سبق المشهد الذي رأيناه لتوّنا، وهكذا، لكي يكشف لنا نولان “أصل الحكاية”. وخلال هذه الحبكة المعقدة سنرى شخصية امرأة شابة هي “ناتالي” (تقوم بالدور ببراعة كبيرة كاري آن موس التي تألقت في فيل “ماتريكس”) التي تعمل ساقية في مقصف، تتعرف على ليونارد، تستضيفه في بيتها، تريد أن تساعده كما تقول له، لأنها سبق أن فقدت هي أيضا حبيبها الذي قتل في ظروف غامضة.

أما “تيدي” فهو شخصية محيرة بالنسبة إلى بطلنا “ليونارد” فهو يظهر له في نهاية معظم المشاهد، يقول إنه يريد أن يساعده في الوصول إلى القاتل. أما “ناتاليا” فهي تحذره من تصديق أي شيء يقوله له تيدي. ويزعم تيدي تارة أنه ضابط شرطة كان يتابع قضية قتل الزوجة من البداية، وأنه يريد أن يساعد ليونارد في الوصول إلى القاتل وتصفيته بطريقته، أي خارج القانون، وتارة أخرى يحرّض ليونارد على قتل رجل يتعامل في المخدرات سرعان ما نعرف (لأننا نشاهد الأحداث بأثر رجعي) أنه “جيمي” صديق ناتالي، ولكن الفيلم سينتهي دون أن يحسم المتفرج أمره بشأن الشخصيات الرئيسية الثلاث: ليونارد وتيدي وناتالي، بل سيبدأ أيضا في التفكير: هل ليونارد بريء أم مذنب، وهل تيدي هو القاتل أم أنه مدفوع برغبة حقيقية في مساعدة ليونارد، وهل ناتالي تتلاعب بليونارد، ولماذا، ومن أجل أيّ هدف. والأساس في هذه الحبكة-اللاحبكة، هي أن كلاّ من تيدي وناتالي يتلاعبان بليونارد ويستغلان فقدانه الذاكرة، بما يصل أحيانا إلى حد السخرية المريرة المهينة.

لا شيء واضحا ومحددا

في أحد المشاهد، أثناء وجود ليونارد في المقصف الذي تعمل به ناتالي كساقية، تطلب من زبون يجلس أمامها البصق في كأس معدني تقدمه له، ثم تطلب من ليونارد أن يبصق بدوره لكنه يتردد، فتقول له:عليك أن تساهم.. إنها مسابقة يمكن أن تكسب من ورائها الكثير. يتناول ليونارد ويبصق فيه بالفعل مقدما “مساهمته”، فتذهب هي لتملأه بالبيرة ثم تقدمه له ليشربه، واثقة من أنه قد نسي ما فعله من دقيقة واحدة! وفي مشهد آخر نرى رجلا يطارد ليونارد بعد أن يهبط من سيارته مباشرة، فيجري ليونارد وراءه أولا ثم يتوقف ويسأل نفسه بصوته من خارج الكادر على شريط الصوت: لماذا أطارد هذا الرجل؟ ثم يكتشف “إنه هو الذي يطاردني”!

قصة موازية

لا يكتفي نولان برواية القصة من آخرها، بل يستخدم قصة أخرى موازية تتقاطع مع القصة الأولى الأساسية، لنفس البطل (بالأبيض والأسود) تدور في الماضي ولكن من خلال أسلوب السرد في الاتجاه الصاعد، وهي تتابع علاقة ليونارد بأحد عملاء شركة التأمين التي كان يعمل “محققا”، وظيفته التأكد مما يتقدم به عملاء الشركة من مزاعم ومطالبات بدفع قيمة التأمين، وهو بالتالي يتعامل مع حالة معينة لشخص يدعى “سامي جنكيز” تشك زوجته في أنه يتظاهر بأنه مضطرب عقليا وبفقدان الذاكرة، في حين تسعى هي لإثبات أنه سليم، فهي تحبه وتريد استعادته إليها. ويربط نولان بين هذه القصة وقصة فقدان ليونارد ذاكرته.

تدور الحبكة كلها حول الفكرة الأساسية للفيلم وهي أن الإنسان بدون الذاكرة يصبح لا شيئا، أي يفقد هويته ويفقد قيمة وجوده، وأن ما نراه ونختزنه من معلومات وأحداث وشخصيات نمر بها في حياتنا هي ما يصنع لحياتنا معنى ما، ومن دونها نصبح وحيدين تماما في هذا العالم الواسع المرعب، لا نعرف العدو من الصديق، الصالح من الطالح. ولكن الفيلم رغم هذا كله لا ينتهي بنا إلى أيّ نوع من “اليقين الدرامي” -إذا جاز التعبير- أي الخروج من هذه الحبكة بنتيجة ما، واضحة ومحددة، بل إن النهاية المفتوحة تعيدنا إلى نقطة البدء، وإلى التساؤل هل الرجل الذي قتله ليونارد هو القاتل المقصود فعلا؟ وهل ليونارد يدرك ما يفعله حقا، أم أنه كما قال له تيدي مرارا، لا يعرف نفسه ولا من يكون؟ أم أن القصة بأكملها تدور في خياله الشخصي نتيجة تعرضه للحادث؟ وكلها تساؤلات لا تنتقص من الفيلم، بل هي التي تمنحه سحره وتميزه. فالأفلام في النهاية ما هي إلا “ترتيب فني للصور”، تتلاعب بك، لكنها تدفعك إلى التفكير، وربما أيضا إلى إعادة ترتيب الصور في ذهنك، بطريقتك الخاصة، لعلك تصل إلى شيء.. إذا وصلت بالطبع!

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر