الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

صدام الحضارات وخراب نينوى

الضمير كله يشهق حين تفكر كمثقف، بكل ما في الوعي التاريخي من معنى في هذا الذي ينبثق أمامنا. ذبح نينوى تحت المشاعل الأولى للتاريخ، تحت المنارات المتصدعة والخاشعة من خشية الطائرات، تحت رماح المحاربين القتلى وأشباحهم.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/02، العدد: 10412، ص(5)]

الفجر تصلّي ركعتين، الظهر أربع ركعات، العصر أربع ركعات، المغرب ثلاث ركعات، العشاء أربع ركعات. إذا سهرت فصلاة الليل مفضلة، وإذا نمت باكرا يكون أفضل. وهكذا تدور الأيام بالمسلم. أراك بعد صلاة العشاء، حسنا أصلّي العصر وأذهب إلى هناك، لا يمكن بعد صلاة العشاء لأنني سأبقى في البيت والدتي مريضة.

أذان يرتفع من المنابر العالية، ذكر حكيم بصوت جميل، تصدح المساجد خمس مرات به في اليوم “الله أكبر”. أما في رمضان فتغرق المدينة بالقرآن وصلاة التراويح لشهر كامل. ينقلب الليل والنهار، ويأتي الطعام مخلوطا بآيات الله.

تنهض العروس بثوب عرسها فيضع أبوها يده على رأسها ويقرأ من القرآن، والأم تدعو لها بدموع الفراق والفرح. وحين تموت يحملونك بالقرآن، ويدفنونك به، والطفل الوليد هو “ما شاء الله” والجنازة “إنَّا لله” والقدر “لا حول ولا قوة” والظلم “حسبنا الله”هذا ما رأيته ولاحظته حين عدت إلى الشرق بعد غياب دام عشرين سنة.

إن الإسلام يعمل ليل نهار في المجتمع، خطاب يشرف عليه جيش من الفقهاء والخطباء ويحمله المتطوعون والشباب الذين يحولون كل شيء إلى حماسة. خطاب متدفق لا يعطيك فرصة للتفكير، ويمتلك مفاتيح المدينة. النبي هو الفاتح، والقرآن هو النشيد الأممي، والهدف هو الأبدية، والله حارس المدينة وضوء نجومها، والزمن زمن الله، والميقات ميقاته، والموعد هو موعد الصلاة، والحق هو لقاؤه في الموت.

الإسلام هيمنة لا مثيل لها، وكما يقول الشعراوي “الكتاب هو المهيمن”. العشق يكون في الخفاء، وجماله في الحياء، والخمر في الخفاء، والعصيان بالخفاء، والفجور بالخفاء، وترك الصلاة بالخفاء، والأهم هو أن الفكر يكون في الخفاء. الخفاء هو هامش الإنسان، أما الظاهر وصدر المدينة الطالع فهو للنبي والكتاب والحق والصلاة.

ثم تندهش من شيء رهيب حقا؛ صلاة الجماعة. يكتظ المسجد تماما، ويقول الإمام سوّوا صفوفكم واعتدلوا. الكتف بالكتف والقدم بالقدم على حركة واحدة مصدرها كلمة، ركوع وسجود وقيام، باسمه هو رب المسلمين “الله”، هذا الدين مصمم عسكريا أيضا. إن صلاة الجماعة هي استحضار لقوتها، أمام عزلة الفرد الواحد وضعفه، وامتداح الجماعة والتجمع والإخاء.

عند ذلك يأتي المال؛ أهم الأشياء في الإسلام، الزكاة والتجارة والسوق والملكية، والجهاد بالمال والإخاء بالمال، وهنا جوهر الحكاية. فلا توجد فرصة أبدا للخروج عن النمط. إن الإسلام هو المجتمع وهو الرزق، وهو أيضا جمال زوجتك المسلمة والبركة لأولادك وبَنَاتِك.

يمشي المسلم حاملا لشيء واحد في صدره “النبي” إنه يتبع سنّته، بمعنى هو جزء مشابه له على قدرته. كل مسلم فيه شيء من النبوة. لو نظرت إلى الكتاب والسنة والسيرة لوجدت أن الإسلام كلمات الله التي نزلت على نبيه وأحاديث النبي وسيرته وكلماته. هكذا بدت لي المدينة المسلمة. إنها ناقعة تماما بالقرآن، ومنقوعة بالحديث، وممطورة بالأذان، ومنتصبة دائما بالنبي وسؤدده.

حتى الكلمات في الشارع، والبيع والشراء بالسوق نصفه كلام ديني إسلامي، الزمن وعقارب الساعة مرتبطة بالصلاة، ويقول لك كلمة تُخرجك من الدين والملة، وكلمة تُدخلك الإسلام، والعهد بيننا وبينك “الصلاة” طالما تقيمها أو تتظاهر بذلك فأنت منّا. هذا ما رأيته حين قمت بزيارة الشرق. أشياء لا يراها المقيم هناك لأنه معتاد عليها.

وحين حلقت الطائرة بي في طريق العودة نزلت إلى مدينتي ڤانكوڤر، المدينة التي تنام على المحيط الهادي في أقصى الغرب الكندي، مضاءة بالليل وتتلألأ مصابيحها في الماء. جبالها تحرسها من الشمال، وخلفها الغابات والنسور والحياة البرية.

نظرت إلى المدينة “الكافرة” لا صوت لكنيسة ولا جامع ولا معبد، لا حضور لفكرة الموت، لا أهمية للإيمان والحياة بعد الموت. كفّار يحبّون المطر ويعبدون الملذات ويقدرون الحياة الدنيا. يعيشون ذلك الزمن الذي حارب لأجله أبو سفيان، وعاشه امرؤ القيس حين سرق ثياب عُنيزة وهي تسبح في الواحة وتغزّل بعريها. لم يكن الجسد خطيئة “ولا تُبعديني عن جناكِ المُعلّلِ” هكذا هو الأمر في ڤانكوڤر (جاهلية) معاصرة.

غير مطلوب من الإنسان سوى العناية بنفسه وطاعة القانون. لا مسؤولية شرعية ولا أحكام ولا ملائكة والسماء فارغة تماما في الليل. الڤانكوڤري متّحد بالطبيعة كحيوان “كالأنعام بل أضل سبيلا” ضلالة بريئة وادعة. ولا يشعر بتأنيب ضمير، فلا أحد يحاكمه وهو أيضا لا يحاكم أحدا. الكافر يعيش حقيقة مدينته التي تقرع أجراس الفناء، وتمجّد اللحظة العابرة واللذة.

بعد أسابيع التقيت في المطعم التركي خبيرا بالأديان السماوية. قلت ما يزعجني حقا أن داعش مفهوم جدا بالنسبة إليّ. لم يكن هناك شيء غير مفهوم في خطابه، كيف يمكن تفسير ذلك؟ قال إن الأمر طبيعي لأن الإسلام له وجهان كلاهما صحيح. المكي المسالم والمديني الجهادي، كلاهما موجود في القرآن.

الفارق أن 13 سنة في مكة لم تجلب سوى 150 مسلما فقط، بينما الجهاد في المدينة أخضع الجزيرة العربية كلها، وجذب 100 ألف مسلم في عشر سنوات. الجهاد جوهري. ثم إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يخصص 60 بالمئة من خطابه لموضوع (الكافر) وكيفية التعامل معه ودعوته أو عقابه.

ربما الآيات المكية ليّنة مع الكافر قليلا، غير أنه فيما بعد تم نسخها بآيات شديدة، أصبح الكافر نجسا. حين خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال “يا بنية؟ ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟”، قالت “بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم”. فقال أبو سفيان لابنته “والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر”. كل ما تقدم ذكره، يجعلك تفهم داعش جيدا، أن خطابهم موجود في السندات الأساسية، ولكنه غير مفعّل عمليا، موجود في اللاوعي.

عدت من المطعم تلك الليلة لأكتشف رسالة من رجل موصلي، يقول إنه في الموصل يقرأ القرآن بعد صلاة العصر “إني جاعل في الأرض خليفة” وينظر إلى طفليه في الحديقة، واحد يسقي الشجرة والآخر يرسم على الأرض ويفكر بكلمات الملائكة، فالخليفة يسفك الدماء كأبي بكر البغدادي.

من الموصل يكتب لي إن محمد الفاتح ترك الأسوار مليئة بالجثث، عشرات الآلاف من الجثث وهو سلطان شاب طموح بالعشرينات. كل هذا حتى يجعل القسطنطينية النصرانية إسطنبول المسلمة. قضى على عاصمة البيزنطيين قبل ستة قرون والنتيجة هي أن الطائرات فوق الموصل بلا توقف.

كم شيخا وكم امرأة وكم طفلا راح ضحية فتح القسطنطينية. إن شعب الموصل الآن يشعر تماما بالشعب البيزنطي تحت ذلك الحصار الرهيب، فلا قدرة لهم على طرد إمبراطورهم، ولا قدرة لهم على إقناع السلطان بالكف عن هذه الحرب.

إن الموصل الآن مدينة بانتظار الفتح تماما كالقسطنطينية. لَتُفْتَحَنَّ الْموصل فَلَنِعْمَ الأمِيرُ أمِيرُهَا، ومن يدري قد يفتحها قاسم سليماني. يقول الرجل المرعوب من فكرة دخول الميليشيات “نحن الآن بانتظار الصليبيين لتخليصنا من المسلمين المجرمين، بانتظار الروافض لتحريرنا من التوحيد الدموي”.

إن الضمير كله يشهق حين تفكّر كمثقف، بكل ما في الوعي التاريخي من معنى في هذا الذي ينبثق أمامنا. ذبح نينوى تحت المشاعل الأولى للتاريخ، تحت المنارات المتصدعة والخاشعة من خشية الطائرات، تحت رماح المحاربين القتلى وأشباحهم.

من هنا مرّ البابليون والآشوريون والسلاجقة والمماليك والعثمانيون. من هذه المدينة مرّ الأنبياء والرهبان والفقهاء، واشتعلت النيران والعلوم والشهوة والفنون. تحت نجومها صلى صلاح الدين الأيوبي، ومن فتياتها استسقى سليمان القانوني في طريقه إلى بغداد.

هنا دقت الكنائس الأولى في فجر المسيحية، وازيّنت الموصليات بالذهب البيزنطي والعسل والمرح. الآشوريون عاصمتهم نينوى، وحين هاجمهم البابليون هرب ملكهم أباليت إلى حران، حيث تركيا الحالية. فرار أهل الموصل اليوم من داعش هو نفسه فرار الملك الآشوري المخلوع.

من الموصل دخل القرآن الكريم، وفُتحت له الأبواب جيلا فجيل. في هذه المدينة الشاهقة سيكون علينا أن نقف ونبكي أيضا، كما في الفلوجة وحلب، وسيكون علينا إحضار نعش كبير لهذا القتيل الضخم الذي اسمه نينوى.

عصرنا عصر اقتلاع القلوب من صدورها. وأيّ مخدّر هذا الذي نكتبه، سيخفف أوجاع شعب فُقِئتْ عيناه، وقُطِعَت يداه، وعليه أن يحتفل بالنصر غارقا بدموعه ودمائه. يا لها من فرحة مدمرة، وقدر غامض قد حول الموت إلى عيد من الأعياد.

ما كان لكلّ هذا الصدام بين حضارتين أن يحدث لولا الاحتلال الأميركي للعراق. يقول الملك عبدالله الثاني في لقائه الأخير مع قناة “سي بي أس″ الأميركية “إن الأميركيين يتصرفون وكأنهم يعرفوننا أكثر مما نعرف نحن أنفسنا”. ويرى أن المشكلة انفجرت في المنطقة بسبب أخطاء أميركية، فقد أوصلوا سنّة العراق إلى حالة من اليأس والتهميش وانعدام المستقبل، مما ألجأهم إلى صدام الحضارات الذي يشكل اليوم خطرا على المنطقة بأسرها.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر