السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

من يصنع الآخر

غياب العدو التاريخي للغرب الرأسمالي ترك فراغا كبيرا بالنسبة للغرب، الذي بنى استراتيجياته السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية طوال نصف قرن على هذا الأساس من المواجهة المفتوحة معه.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/10/04، العدد: 10414، ص(15)]

هناك سؤال ما زال يطرح نفسه؛ هل جاء ظهور التطرف في الغرب رد فعل على تطرف الجماعات الإسلامية وعنفها، أم أن تطرف هذه الجماعات جاء ردة فعل على تاريخ الغرب الاستعماري ودعمه للدكتاتوريات العسكرية والفساد في العالم العربي والإسلامي، من أجل الحفاظ على نفوذه ومصالحه الاقتصادية والسياسية فيه؟

كلاهما -متطرفو الغرب وجماعات الإسلام السلفي- يحاولان الظهور بمظهر الضحية لتطرف وتعصب الآخر، لكي يبرر كل منهما العنف والكراهية الذين يمارسهما ضد الآخر. فكيف يمكن والحال كذلك أن نفك هذا الاشتباك القائم بين الجبهتين؟

في هذا السياق وقبل كل شيء ثمة ما يجب استعادته، يعود إلى مرحلة سقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية، آنذاك وقبل أن يستكمل الغرب مراسم دفن عدوه التقليدي، سارع فوكوياما صاحب الإعلان الشهير عن انتصار الرأسمالية الأبدي، إلى طرح مصطلح صراع الحضارات، وكأنه بذلك كان يستعجل ملء الفراغ الذي خلّفه غياب العدو الشيوعي. الغريب أن أول من استجاب لهذا المبدأ وعمل على تفعيله، كان تنظيم القاعدة، الحليف السابق للولايات المتحدة في حربها ضد السوفييت في أفغانستان، فمن كان يستدعي من في هذه المواجهة لتحقيق هذا الهدف، ولأجل ماذا؟

لقد ترك غياب العدو التاريخي للغرب الرأسمالي فراغا كبيرا بالنسبة للغرب، الذي بنى استراتيجياته السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية طوال نصف قرن على هذا الأساس من المواجهة المفتوحة معه، لذلك كان لا بد لأهم منظر لتلك الحقبة أن يسارع إلى ابتداع مفهوم جديد للصراع، يخلق من خلاله الذرائع لتبرير سياسات التوسع والهيمنة، والحروب العدوانية التي تحقق للولايات المتحدة المزيد من السيطرة، ولصناعاتها العسكرية المزيد من الأسواق والتوسع.

وفي محاولة للرد على هذه الأطروحة الخطيرة كان لا بد للنخب السياسية في العالم العربي والإسلامي أن تطرح مفهوما بديلا هو مفهوم حوار الحضارات، لكن الولايات المتحدة التي تفردت بزعامة العالم قادت السياسات الدولية باتجاه آخر، بهدف إفشال هذه الجهود، وتكريس مبدأ الصراع ضمانا لمصالحها، وأهمها إبقاء العالم الغربي في دائرة نفوذها وتبعيته لها، تحت مسمى مكافحة الإرهاب وحربها عليه. لذلك أشعلت الحروب ولا تزال تشعلها بصورة مباشرة أو بالوكالة عنها، تحت عناوين متعددة، ساهمت في تحفيز نزعة التطرف والكراهية عند الجانبين.

إن اشتداد هذه النزعة هنا وهناك ما كان له أن يكون لولا وجود العوامل الموضوعية، الثقافية والسياسية والتاريخية، التي توفر البيئة الحاضنة له، الأمر الذي يكشف عن فشل الحضارة الإنسانية في تصحيح الاختلال القائم في العلاقات الدولية، وعجزها عن تكريس قيم الانفتاح والتعددية، في عصر الفضاء المفتوح.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر