السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

القراءة بعين الأم

يتخايل ظل الأم القارئة التي لا يفلح الكاتب في التخلص من ظلها... صحيح أنها لا تبرز على نحو جلي في النص، لكن التماعات شتى عن دورها العميق في حياة السارد ومآلاته.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/10/05، العدد: 10415، ص(15)]

حين ينتهي الباحث من مخطوطات مقالاته وكتبه غالبا ما يعرضها على زملائه، يحتاج في العمق إلى من يصوب أخطاءه ويستدرك عليه ما فاته، بينما قد يعرض الروائي والشاعر والقاص وحتى الناقد نصه على زوجته، يحتاج رأيا لقارئ قريب وصادق أكثر مما يسعى لتصويبات ومراجعات أو حتى مداهنات قراء زائفين، لكن في كتابة السيرة الذاتية يحتاج الأمر إلى رأي شريك في زمن الكاتب، أحد الذين صاغوا، بشكل ما، ماضيه ويفاعته؛ وبتعبير أدق يحتاج إلى ذاكرة أخرى تستحضر الوقائع وتستكملها، لهذا يلتجأ البعض من كتاب السير إلى وضع مسوداتهم بين أيدي أمهاتهم لرعاية مسار الشخص على الورق بعد صياغته طبعا وسلوكا.

في فقرة عابرة من مقدمة سيرة: “أحلام من أبي: قصة عرق وارث” لباراك أوباما يتحدث الكاتب عن أمه التي قرأت مسودات السيرة عدة مرات، وقيامها بتصحيح القصص العائلية التي أساء فهمها وتدوينها، وحرصها على عدم التعليق على وصفه لها شخصيا، في مقابل دفاعها عن الآخرين الحاضرين بصور مختلفة في السيرة؛ ليخلص بعدها إلى استنتاج أنه كان من اللازم أن تراجع أمه السيرة للتخلص من فقرات مطنبة ومنفعلة طويلة، تخللت صيغتها الأولى، وعبارات أخرى تفتقر إلى الدقة، كانت ستربك نص الزعيم الأسود، الذي كتبه في السنة الأخيرة من دراساته بجامعة هارفارد، حينما كان السياق المجتمعي متعطشا لمتون تخييلية تدعم السعي العام لتجاوز مآزق العنصرية تجاه العنصر الأفرو أميركي.

في تلك الفقرة، وعلى امتداد الكتاب، يتخايل ظل الأم القارئة التي لا يفلح الكاتب في التخلص من ظلها، وكأنها ذات أخرى خفية للكاتب؛ صحيح أنها لا تبرز على نحو جلي في النص، لكن التماعات شتى عن دورها العميق في حياة السارد ومآلاته، توقظ في ذهن القارئ فكرة أن السيرة كان يمكن أن تكون أكثر اندفاعا ورعونة لولا تهذيب الأم ومراجعتها لكل التفاصيل.

وهو اعتراف يطل من العشرات من السير المكتوبة بلغات مختلفة، كتبها مفكرون وساسة وروائيون وفنانون عبر العالم، أستعيد هنا فقط تلك الفقرة المضيئة من سيرة “الجمر والرماد” لهشام شرابي حين يعقب على النزعة المحافظة للكاتب العربي ورقابته الذاتية الكابحة لأي جنوح نحو الإفصاح الكلي، قبل أن يسرد تفاصيل مراجعة أمه لمسودات سيرته قبل طباعتها ونشرها، وما دار بينهما بخصوص رغبتها في حذف مشهد جريء في السيرة يشخص تجربة ولوج السارد فضاءات التعري (الستريبتيز) بشيكاغو أواسط الخمسينات من القرن الماضي حيث دأبت البعض من طالبات الجامعة على تقديم فقرات مقابل أجر؛ كان المشهد مكشوفا وحافلا بالأحاسيس الفطرية، ويصف الجسد ببراءة وحياد. لم يحذف الكاتب المشهد، لكنه أعاد رسم صورة الأم بغير قليل من القسوة بوصفها رقيبا دائما على أخلاق الطفل الذي صار كاتبا.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر