الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

اليمين الشعبوي والتلويح بسياسة الانفصال

اليمين الشعبوي الذي كان قبل عقد من حاضرنا مجرد صوت داخلي لهواجس مبهمة، تحول في غضون السنوات الأخيرة إلى سوط بيد اليمين المتطرف أخذ يلسع استطلاعات الرأي وصناديق الانتخابات المحلية والعامة أيضا.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/10/05، العدد: 10415، ص(9)]

الأصوات المنخفضة أحيانا كثيرة لا يتم الانتباه أو الإصغاء إليها، خاصة في عالم السياسة، رغم أنها تعبر عن بدايات البوح بذلك البكاء غير المسموع للجماعات أو الشعوب، بغض النظر عن انسجامها أو تنافرها مع حركة المجتمعات والأنظمة والأحزاب والشخصيات الحاكمة.

انكسارات لموجات صادمة لم تكن متوقعة على شواطئ السياسة، ضربت الاستقرار الكبير أو النسبي الذي كانت تحظى به الدول الأوروبية المتقدمة اقتصاديا واجتماعيا؛ حيث تفاجأت بزلزال ضربها أولا بالأزمة الاقتصادية، ثم أزمة تدفق اللاجئين العشوائي في صيف 2015، وأدّت إلى فقدانها السيطرة على أجزاء من سياجها الحدودي نتيجة التناقضات بين مأساة إنسانية الحالة المروعة وبين عدم توقعها، والاستعداد لها في الإجراءات وما يتبعها من تعليمات بين دول الاتحاد الأوروبي لتوزيع النسب أو القبول.

يرجع ذلك إلى تقصير دول اللجوء، وضمن التقديرات الأخيرة تشمل 50 دولة أو أكثر، في استقبال اللاجئين المسجلين في مكاتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وطلباتهم تكون خاضعة للتدقيق الإنساني والأمني بما لا يدع مجالا للشك أو إثارة المخاوف من انتمائهم إلى جماعات إرهابية.

تم كسر الحاجز النفسي من الموت والإقدام على التضحية وصولا إلى دول اللجوء الأوروبي في رحلة شائكة عبر دول متعددة أو على حافات دول أخرى مع ردود فعل البعض منها غير إنساني ويتناقض مع دساتير دول الاتحاد الأوروبي وأيضا دستور الاتحاد الذي يعتمد على ميراث راسخ في الديمقراطية.

رؤيتان تتجاذبان طرفي السياسة في العالم؛ الأولى تقوم على تنشيط استعادة أحلام الإمبراطوريات القديمة التي تفككت إما بتقادم الزمن وإما بخسارة الحروب وإما أنها لم تعد ملائمة لتطور الجنس البشري وحقه في الحرية والعيش الكريم. الثانية رؤية تسعى إلى فك الارتباط بالكتل السياسية والاقتصادية الكبيرة، وهذا ما يحصل في البعض من دول الاتحاد الأوروبي لاستعادة الدولة الوطنية، وهو مبعث قلق له مساحة على أرض الواقع وبات يهدد ما يمكن أن نطلق عليه فوبيا إلغاء الهوية الثقافية لأوروبا الديمقراطية الجامعة لشعوبها.

اليمين الشعبوي الذي كان قبل عقد مجرّد صوت داخلي لهواجس مبهمة، تحوّل في غضون السنوات الأخيرة إلى سوط بيد اليمين المتطرف أخذ يلسع استطلاعات الرأي وصناديق الانتخابات المحلية والعامة أيضا.

الديمقراطية في بولندا منحت حزب الحقوق والعدالة زعامة الإرادة السياسية وهو حزب يميني أصدر قرارا، في العام الماضي، بمنع دخول اللاجئين أو استقبالهم والتنكيل بالبعض منهم على الحدود.

في النمسا فاز حزب الحرية اليميني بقيادة نوربرت هوفر، وسرعان ما هدّد بإجراء استفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي في حال قبول تركيا ضمن دول الاتحاد، متعاطفا مع خروج إنكلترا من الاتحاد في الاستفتاء الشهير بالبريكسيت ورافضا الصلاحيات الواسعة لبروكسل، ويقصد هيمنة القرار الأوروبي.

حزب من أجل الحرية في هولندا تسلق منصة الكراهية للوافدين من دول الأزمات وهويتهم الدينية؛ هنغاريا كذلك من خلال حركة بويبك المتطرفة التي ترفع شعار من أجل هنغاريا، وهي تسميات وطنية مرادفة لمثيلاتها في أوروبا وتعادي المهاجرين بقسوة وتحرض في وسائلها الإعلامية مقتربات القمع.

حركات نازية وفاشية وجدت لنفسها مكانا في الشارع الأوروبي وصوتها يتجمع مستغلا موجة الكراهية أو اليأس من تحسن الظروف الاقتصادية، كما في اليونان بممارسات حزب الفجر الذهبي؛ وسويسرا شهدت صعود حزب الشعب السويسري المناهض لتزايد أعداد اللاجئين ولممارساتهم الدينية.

الإعلام الغربي لم يتردد باستخدام مفردة “تكاثر” للإشارة إلى استنساخ التجربة البريطانية “للانفصال” عن الاتحاد الأوروبي، بعد وصول موجة المدّ لليمين الشعبوي إلى ألمانيا التي كانت تنأى بنفسها عن أوروبا لمتانة اقتصادها واستقرار نظامها السياسي المحافظ، لكن الانتخابات المحلية في برلين مؤخرا كشفت حقيقة الأصوات لحزب البديل من أجل ألمانيا ومكاسب خطابه المناهض للهجرة الذي أجبر أنجيلا ميركل على تأكيد إنسانية قرارها في سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين، قرار -كما تقول- ينسجم مع دستور بلادها الديمقراطي ومبادئ حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تنتمي إليه وكذلك معتقداتها الشخصية، لكنها تمنت لو منعت التدفق العشوائي وحدّت من أعداده، داعية إلى إعادة اللاجئين المرفوضة طلباتهم وهم بالآلاف، وهذا اعتراف صريح بخطأ سياسات إدارتها لأزمة اللجوء.

فرنسا في انتظار ربيع 2017 والدورة الثانية لانتخابات الرئاسة، ومعظم التوقعات ترجح مواصلة الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان حصد المؤيدين لخطابه في الحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية لفرنسا.

ما يجري في أميركا نموذج انتخابي لصراع الحزب الديمقراطي مع توجهات اليمين الشعبوي الذي يمثله مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب؛ ورغم كل ما يدور حول جذور الدولة العميقة لأميركا، وسيناريو إعادة إخراج فيلم الانتخابات نهاية كل دورة انتخابية بأبطال جدد، ثم العودة إلى أساسيات تلك الجذور مع تبني كاريزما شخصية الرئيس وما تعنيه في مخيلة العالم؛ إلا أن النسخة الحالية تأتي في توقيت الإعلان عن دقات مسموعة للشعبوية في قلب أوروبا أدّت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مجازفة الاستفتاء الذي ظنه منظموه والداعون إليه محسوما لصالح البقاء، ثم تدحرجت الأصوات من المقصورة الأوروبية إلى مدرجات الشعبوية وصوت الحدود الوطنية دون استشعار للخسائر أو ما أنتجته الكتلة الأوروبية الكبيرة من مصالح وشبكة استقرار ومظلة أمن تحمي وتمنع دولها من النزاعات والحروب والمشكلات، كل ذلك يصب في مصلحة استقرار العالم أيضا؛ إضافة إلى أن بريطانيا وفرنسا عضوان دائمان في مجلس الأمن المكون من خمسة أعضاء برفقة أميركا وروسيا والصين، أي أن بريكسيت بريطانيا هو خروج لإحدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن من الاتحاد الأوروبي.

أميركا التي وصفها باراك أوباما في خطاباته بوطن المهاجرين، أي بلاد اللجوء الإنساني والتنوع الثقافي، ربما تتحول إلى بلاد للخروج إذا استمر التصعيد لما بعد الانتخابات التي من المحتمل أن تكون نتائجها متقاربة على نسب توقعات الاستفتاء البريطاني وقد يحدث الفارق المستبعد أيضا في نهاية السباق إلى البيت الأبيض.

الرئيس أوباما في أسابيعه الأخيرة يبدو مدفوعا بشراهة لتسليم البيت الأبيض إلى مرشحة حزبه الديمقراطي وذلك بكسب الأصوات المعارضة لسياسته الخارجية.

أميركا وأوروبا والعالم يسمعون أصواتا داخلية في عدد من الولايات الأميركية تطالب بالانفصال، وأعلاها صوت مجموعة “نعم كاليفورنيا” التي تعزف بروفة نغمة الاستفتاء بانتظار مايسترو اليمين الشعبوي المرشح لقيادة البيت الأبيض عن الحزب الجمهوري، وفي البعض من ملامحه قسمات غورباتشوف… الأصوات المنخفضة قد تعلو والأصوات العالية قد تنخفض، لكنها كالعيون في وجوه تتفرج على موت تعتقد أنه لا يشملها رغم أننا جميعا على أرض واحدة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر