الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

صفعة على خد مسؤول

ما يحدث ببعض دول العاصفة، هو إثبات نظرية أن اندفاع الجمهور ليس له عقل ولا رؤية، وإنما هو حالة جنونية تفقد العقل قدراته على النقد والتحليل والتأمل.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/10/05، العدد: 10415، ص(24)]

مشهد تعنيف موظفة لمسؤول محلي في تونس، وشده من ربطة عنقه والدفع به إلى الجدار، ثم صفعه بالكف والنعال، وسبه وشتمه، أمام جمهور من المتفرجين الفضوليين، يطرح أكثر من سؤال عن الواقع الجديد في البلاد، الذي باتت فيه الدولة تواجه محاولات تمزيقها وتشتيتها والإطاحة بما بقي من قدرها وهيبتها.

تحول المشهد إلى حدث وطني بعد أن وثّقته كاميراهات الهواتف النقالة ونشرته على مواقع التواصل الاجتماعي لتكتشف الدولة حقيقة خيبتها على إثر انكسار هيبتها، وشعر كثير من التونسيين بالألم، بينما هناك من رقص طربا وهتف صخبا للحادثة، التي بررتها الموظفة المعتدية بأن المسؤول حاول التحرش بها، بينما رد عليها هو بأنها أخلت بواجبها الوظيفي فقرر توجيه استجواب إليها، ليجد نفسه عرضة للتعنيف من قبلها.

المضروب والمصفوع والمشتوم هنا، هو معتمد، أي المسؤول الأول بالمعتمدية التي تأتي في التقسيم الإداري للبلاد التونسية مباشرة بعد الولاية (المحافظة)، وكما أن الوالي هو ممثل رئيس الدولة في ولايته، فإن المعتمد هو ممثل الوالي ومن قبله الرئيس في معتمديته، وقد تربينا على أن المعتمد شخصية مهمة، تخصص له الدولة راتبا محترما وسكنا وظيفيا وسيارة وسائقا وحاجبا، وعلى أنه قادر على حل مشكلات السكان المحليين في منطقة نفوذه، أو على الأقل نقلها إلى السلطات الجهوية ومنها إلى الحكومة، ولكن اليوم تغير المشهد، حيث سبق أن رأينا معتمدا يهدد باللجوء إلى دولة مجاورة، وآخر يدعو رئيس الحكومة إلى الاستقالة، وثالثا ينشر على صفحته بالفيسبوك إعلانا لطلب وظيفة لنفسه وهو في حالة مزاولة لعمله، ثم شاهدنا فيديو لمعتمد منطقة السيجومي التي لا تبعد عن مقر قصر الحكومة إلا بعض المئات من الأمتار، وهو يتعرض للعنف الشديد من قبل موظفة.

هذا المشهد، ذكرني بما حدث في بلد آخر من بلدان الربيع العربي لرئيس الحكومة الذي تمت جرجرته وهو في ملابس النوم من قبل عناصر إحدى الميليشيات، ليخضع بعد ذلك إلى التحقيق من قبل زعيم الميليشيا مثل لص حقير أمام صاحب البيت، وليحاول أن يرد على الأسئلة الموجهة إليه في شريط فيديو منشور على اليوتيوب، بأنه بريء وأن ما قيل عن علاقته بفتاتين اثنتين ليس صحيحا، وبحسب مصادر عدة، فإن ذلك المشهد الدراماتيكي انتهى بإمضاء رئيس الحكومة على صك سمين لزعيم الميليشيا مقابل إطلاق سراحه، ومن الجانب الآخر، خرج أحد الثوار الأشاوس، ليقول أمام أنصاره: أيها الناس اسمعوا وعوا ليس لهؤلاء الوزراء عندنا إلا الصفع، فصفق الأنصار دون انتباه إلى ما وراء ذلك من خراب الوطن والديار.

إن ما يحدث ببعض دول العاصفة، هو إثبات نظرية أن اندفاع الجمهور ليس له عقل ولا رؤية، وإنما هو حالة جنونية تفقد العقل قدراته على النقد والتحليل والتأمل، وتجعله عرضه للاحتلال من قبل أية قوة قادرة على تشكيل المزاج الجمعي على حسب مصالحها، وهنا تكمن المشكلة.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر