السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

لماذا نكره أميركا

الولايات المتحدة وجدت نفسها في ورطة، فالشيعة يريدون التحالف معها لذبح السنة، والسنة يريدون التحالف معها لتدمير إيران. وحين انسحبت من الطرفين، تحول الشيعة إلى الروس وفلاديمير بوتين، وتحول السنة إلى دواعش.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/06، العدد: 10416، ص(8)]

منذ أن فتحت عيني على الدنيا ومناهج التعليم والإعلام بالعراق تثقف ضد أميركا، وتحرض على كراهية البيت الأبيض. حكم بعثي جاء بدعم أميركي أساسا ضد الشيوعيين وامتدادهم ببغداد، وبالمناسبة الشيوعي كان يمارس الشيء ذاته؛ يثقف ضد أميركا، والعدو هو الاستعمار الرأسمالي الإمبريالي.

ما هي علاقة العراق بالأميركان؟ نحن بقايا احتلال بريطاني، علمنا الإنكليز قيما حضارية جديدة، وربطوا طبقتنا المتعلمة بلندن، وبنوا التعليم ووضعوا ملكا هاشميا ورحلوا. ما علاقتنا بالأميركان؟ وما هي الفائدة من تحريض أطفال فقراء في قرى نائية ضد أميركا؟ ماذا نستفيد من الحقد على أعظم إمبراطورية في العالم؟

ثم جاء الخميني وألهم الشيعة نفس الثقافة، كراهية أميركا والموت لأميركا. تخيلوا طارق عزيز وسعدون حمادي تخرجا من الجامعة الأميركية ببيروت. بدلا من أن يخبرا فقراء العراق بأهمية التعليم الأميركي، كانا يساهمان بشتم أميركا، ويعلمان الطفل التاريخ الإسلامي، خصوصا الفتوحات والبطولات والنصر على الكفار.

النتيجة كانت داعش، وعندما ظهر داعش قالوا أميركا، هذا تخطيط أميركا، نحن شعوب لا تملك صدقا مع الذات. عام 1958 مثلا ما علاقتنا بأميركا؟ لماذا نهتف ضد أميركا؟ لماذا رشيد عالي الكيلاني والضباط الأربعة تحالفوا مع النازية الألمانية للقيام بانقلاب ضد الإنكليز؟ لماذا ندرس الطفل بالمناهج أن الضباط الأربعة كانوا وطنيين وأبطالا؟

وفي النهاية أميركا احتلت العراق. هذه إمبراطورية عظمى قبل حذاءها ساموراي اليابان، وانحنت لها جنرالات ألمانيا، القادة الإيطاليون ركعوا وطلبوا الغفران. إمبراطورية يتبعها عمالقة مثل الإنكليز، تخيل لندن الهائلة تتبع أميركا.

ما هي الفائدة من أن يأتي البعثي العراقي ويحرض أطفالا مصابين بسوء التغذية والقمل في قرية نائية بالعراق ضد الاحتلال؟ ويحمل الولد قاذفة فوق الدشداشة ويكمن على الطريق ليضرب عربة أميركية؟ ما هي أهمية التاريخ الإسلامي والفتوحات؟ ما هذا الحنين المدمر؟ ماذا تستفيد أنت الفقير لو سيطر الإسلام على العالم؟

لقد خدعتنا الطبقة الحاكمة، يحرضوننا على أميركا وإسرائيل، ويقولون لسادة العالم هؤلاء مجانين ومتطرفون، ادعموا حكمنا ونحن نتحكم بهم ونسيطر عليهم. يساومون على شعب متخلف وينهبون ثرواته. الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد هدد بإطلاق لحيته مرة. يهددون العالم بذقون إسلامية. هذا هو الجنون بعينه.

النتيجة هي أن الجنون أفلت وصار يحارب جيوشا وحكومات ويهدم المدن ويهدد الأقليات. أصبحت له منظمات ومصادر دعم ودخل في العملية السياسية العالمية. وحين حدث هذا قالوا كله من أميركا، كل شيء أميركا، كل شيء إسرائيل، اليهود هم السبب، اللعبة كبيرة وخبيثة، ويصورون أنفسهم كضحية. طيب أنت ضحية والسبب الصهيونية على عيني وراسي. تعال نفكك الأفكار الخطأ التي برأسك، لا يقبل ومستعد لقطع رأسك في سبيل مقدساته. ما علاقة أميركا بدماغك؟ هذا الموجود وأميركا تتعامل مع الواقع الموجود.

تخيلوا إلى أي درجة وصل نفاقنا. الشيوعية في كل الدنيا هي عبارة عن شيئين؛ الأول محاربة الرأسمالية والاستعمار، والثاني نشر الإلحاد ومحاربة الدين. هي فكرة إرهابية بجوهرها. الحزب الشيوعي العراقي تحالف مع الاحتلال الأميركي وبرره، ثم تصالح مع الإسلام الشيعي وصار يلطم في عاشوراء، ومازالوا يقولون نحن حزب شيوعي، هذا فصام ثقافي حقيقي وتفجير للدماغ العراقي.

إذا أردنا أن نتقبل الواقع الذي تحكمه أميركا دون مواجهة قاتلة تضرنا، نحتاج أفكارا وسياسيين غير البعث والخميني والشيوعيين، لأن هؤلاء جميعا تاريخيا ساهموا بنشر الكراهية لأميركا ولقيم الحضارة الغربية. بسبب عدم وجود مثقفين تم السماح بجو سياسي منافق تآمري، والنتيجة كما ترون انتكس الشيعي والشيوعي إلى الجبهة القديمة، التحالف مع روسيا، فروسيا هي سيدة الشيوعي العراقي في الأساس، هو عميل موسكو القديم، وروسيا شريك الخميني بكراهية أميركا، وانتكس البعثي إلى الفكر الإسلامي، وصار داعشيا.

لقد كشفت التجربة في العراق، أننا لا نريد التصالح مع أميركا لدخول العالم الحديث ونبذ الماضي والتخلف، بل على العكس. الولايات المتحدة وجدت نفسها في ورطة، فالشيعة يريدون التحالف معها لذبح السنة، والسنة يريدون التحالف معها لتدمير إيران. وحين انسحبت من الطرفين، تحول الشيعة إلى الروس وفلاديمير بوتين، وتحول السنة إلى دواعش.

خذ مثالا في سوريا اليوم، عندك أقليات يحميها بشار الأسد، وهو يرتكب أبشع المجازر ضد المدنيين والأغلبية السنة، إلا أنه من جهة أخرى يقاتل ميليشيات إسلامية متطرفة. ماذا تفعل أميركا؟ هل تقصف الميليشيات وتبدو كما لو أنها تدعم أكبر مجرم في التاريخ الحديث مثل الأسد كما تفعل روسيا اليوم بلا خجل؟ أم تقصف الولايات المتحدة الجيش السوري فيبدو الأمر كما لو أنها تدعم الإرهاب والإسلام السياسي؟ وإذا حدثت مجازر بالمسيحيين والعلويين وتهجير في ما بعد كما جرى في الموصل، ستكون الولايات المتحدة هي الطرف الملام، ولن يرحمها الإعلام المسيحي في الغرب، الموضوع محير.

هذه هي مأساة الشعوب التي لم تنجب الكثير من المثقفين، ولا توجد فيها محبة للحقيقة والأفكار الصحيحة. ابن الفلوجة اليوم يعرف أنه ضحية لحزب البعث، فهو الذي سلمه لداعش. فإلى أين تؤدي فكرة العصيان وحمل السلاح ضد أميركا في النهاية؟ ألا تؤدي إلى داعش؟ ألا تؤدي إلى هدم المدينة أربع مرات وحرق بيوتها وتعذيب أطفالها؟

لقد عانينا في الفلوجة بعد فتحها من قضية رهيبة وفريدة من نوعها. أردنا فقط أن يفهم العالم أن أطفال الفلوجة هم مجرد أطفال، لا يختلفون عن أطفال كربلاء والبصرة في شيء. لقد تم نزع صفة الآدمية عن مدينة بأكملها. كل هذا بسبب الحرب الدينية التي تنزل المدن إلى صفة أخرى أدنى من البشر.

أدركنا في تلك الأيام العصيبة كيف مرت البشرية بتلك الظلمات الرهيبة والمذابح التي سمعنا عنها. لقد سقط عندي فورا مفهوم الأمة الإسلامية. لم يصرح مسؤول كبير، ولم تنطلق حملات إغاثة ضخمة إنسانية. إن الأمر برمته أصبح خطيرا على وجودنا كعراقيين، ولا داعي للخوف ولا الخجل من الإفصاح عن هذه المخاوف. ثم إننا يجب أن نتعلم شيئا من تلك الدروس، لا يمكن أن نستمر بذات العناد والأفكار.

الفلوجة هي الشجاعة التي غلبتها الكثرة، فضيحة الملائكة التي هربت من المعركة، خديعة المؤمنين والمتوكلين، فشل المحتسبين، نهاية الوهم وبداية العقل والفلسفة. كل عائلة عبرت الفرات وجرف التيار نصف أطفالها، خرجت في النهاية وقد تعمَّدَتْ نهائيا من ذلك الإيمان المدمر.

يوحنا المعمدان نفسه قد مزق ثيابه وفقد صوابه على ضفة الفرات. دعاء الأمهات الباكيات في نجد ومكناس، في الجزائر ومدغشقر والقاهرة، توسلات القانتات في باكستـان والهند وباريس وإسطنبول، كلها لم تنفع أطفال الفلوجة. بصحة المدينة العظيمة التي تمتلك الشرف ولكن لا تمتلك العقل. بحاجة اليوم إلى نهضة فكرية ومصالحة مع العالم والعقل والقبول بالواقع ونبذ الأوهام.

ولا عَيبَ فيهِمْ غيرَ أنّ سُيُوفَهُمْ

بهنّ فلولٌ منْ قراعِ الكتائبِ

النابغة الذبياني

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر