الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

مقبول العلوي: المفاجأة السردية تحدث لكل روائي

  • يقتحم الروائي السعودي مقبول العلوي مناطق سردية مازالت محتاجة إلى الكثير من البحث والقراءة والرصد التاريخي المتأني، حيث الرواية التاريخية القائمة على زمن التحولات الاجتماعية والثقافية الحديثة في زمن ما بعد النفط، محاولا رصد سوسيولوجيا الأفكار، وتغيّرات المفاصل الاجتماعية بين ما هو شفهي وما هو مدوّن من قبل المستشرقين والمؤرخين الغربيين. “العرب” توقفت مع العلوي في هذا الحوار حول رواية “البدوي الصغير” والبعض من القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/10/06، العدد: 10416، ص(15)]

الروائي يجب أن يمزج بين الواقعي والمتخيل

بعد رواية “فتنة جدة”، التي دخلت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر، الدورة الرابعة سنة 2010، ورواية “سنوات الحب والخطيئة”، التي رشّحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة الرواية السعودية في دورتها الثانية 2012، و”فتيات العالم السفلي”، و”خرائط المدن الغاوية”، الحاصلة على جائزة الرواية السعودية في الدورة الثالثة 2016، و”زرياب” الحاصلة على جائزة معرض الرياض الدولي للكتاب 2015 فئة الرواية، والتي رشّحت ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب الدورة العاشرة 2016، و”النجاب” الحاصلة على جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي الدورة السادسة سنة 2016، بالخرطوم – السودان.

بعد هذا المنجز الأدبي المتتالي يطلّ الروائي السعودي مقبول العلوي (مواليد القنفذة عام 1969) من دار الساقي اللبنانية على قارئه من خلال روايته الأخيرة “البدوي الصغير”، التي نالت جائزة سوق عكاظ في فئة الرواية هذا العام. كما يشتغل حاليا على مخطوطتين روائيتين، بالإضافة إلى مجموعة قصصية ستصدر خلال الأشهر القادمة بعنوان “القبطي”عن دار الساقي.

الحقيقي والخيالي

يلاحظ القارئ لمنجز مقبول العلوي الروائي منذ “فتنة جدة” حتى “البدوي الصغير” أنه يتخذ المزج بين الشخوص الحقيقية والخيالية تقنية لرسم فضاءات رواياته، فنرى البناء الروائي متشابها إلى حد كبير في تشكّله العام، لكنه مختلف الفضاءات والأسئلة من رواية إلى رواية أخرى. الأمر الذي دفع البعض من القرّاء إلى القول إنّ العلوي اختار أدواته السردية النهائية وتوقّف عندها.

ضيفنا العلوي يدفع عن نفسه هذا الرأي، ويرى أن الكاتب الذي يعتمد على أدوات أو قوالب سرديّة ثابتة سيبقى يراوح مكانه ولن يتطور، يقول “البحث والتجريب في عالم السرد يتسعان، وهما مفتوحان لكل صاحب فكرة جديدة ولمن يمتلك ميلا وشجاعة نحو التجريب. لكن أدوات السرد هي أحيانا ما يفرض على الروائي الصيغة النهائية للعمل، لكن الجمود على أدوات ثابتة يقتل ملكة التجريب لدى السارد، فلا يجب أن يتوقف عند أدوات سردية معينة حتى لا يحبس في قالب مصمّت لا يستطيع الخروج منه”.

المزج بين الحقيقي والخيالي يؤمن المتعة الكاملة للروائي ويساعده على السير بالعمل إلى النهاية التي يراها مناسبة

رواية “البدوي الصغير” تسلط الضوء على تاريخ مسكوت عنه في جنوب غرب المملكة، بعد سنوات قليلة من اكتشاف النفط فيها، تحديدا في 1973 حتى يومنا هذا، هذا التاريخ الذي غيّر معالم القرية وحوّلها إلى كائن مادي مختلف عن تجذراتها الأصلية كان مهمّا، فالذاكرة الشعبية الجماعية -في ظل غياب الرواة والمؤرخين للمنطقة- تكاد تنتهي بسبب رحيل الجيل الذي كان يمتلك ذاكرة العجائز الشفهية المنسية. الأمر الذي يجعل مهنة الروائي ليست الحكاية فقط، وإنما التوثيق والرصد والكشف أيضا.

يقول ضيفنا العلوي عن هذا الشأن “يشغلني كثيرا الجانب التوثيقي الشفهي، فهو إن لم يوثق بالتدوين سيذهب هباء منثورا. الذاكرة الجمعية كانت إلى وقت قريب هي السبيل الوحيد لحفظ الأحداث والمواقف إلا أنها تعتمد في الأصل على الذاكرة، والذاكرة خؤون في نهاية الأمر. إذن التدوين، بغضّ النظر عن نوعه سواء أكان تدوينا سرديا إبداعيا أم تاريخيا مفرطا في مباشرته، سيحفظ لنا هذا الإرث الكبير الذي أهملته الأجيال”.

تناول مقبول العلوي القرية من خلال عدّة ذاكرات، البعض منها كان حقيقيا تمثل في ذاكرة وليفريد تيسنجر، خليل الوزير، صلاح خلف، جاسر أبوصفية، والبعض الآخر كان من نسج خيال الراوي، وقد تمثّل ذلك في ذاكرة الأميركي ديكان، الأستاذ عبدالجليل وزوجته نادين، سعدون، طالع، وآخرين.

وعن تداخلات الحقيقي والخيالي في هذه المنطقة من الرواية يحدّثنا العلوي قائلا “المزج بين الحقيقي والخيالي يؤمن المتعة الكاملة للروائي ويساعده على السير بالعمل إلى النهاية التي يراها مناسبة، وهما يتماهيان مع بعضهما البعض. ليست هناك صعوبات بالشكل الحرفي للكلمة، إلا أنه يعتمد على السارد ومدى مهارته في المزج بينهما مما يحقق الإقناع السردي للقارئ. ولا أعتقد أن أيّ روائي أو قاص يمكنه التنّصل من المزج ما بين الواقعي والمتخيل، فالإنسان ابن بيئته في الأساس”.

وعي يولد

الحديث قادنا إلى البعض من القراءات التي رأت أن روايته “البدوي الصغير” وصلت إلى أعلى مستوياتها الدرامية حين غادر غسان القرية إلى جدة للدراسة الجامعية، بعد مغادرة نادين، وموت أبيه، وشعوره بالغربة في قريته الكوسموبوليتية، وكذلك، بعد سطوة حركة الصحوة الدينية على القرية. في هذه اللحظة بالتحديد تنتهي علاقة غسان (البدوي الصغير) بالأرض وبالقرية وبحبيبته وبذاكرته، وما ارتبط بها من موسيقى وغناء وسحر اللحظة العذراء. هذا الرأي جعلنا نسأل ضيفنا عن سبب استمراره في السرد الروائي مع بطله غسان ليواصل الحكاية ناحية البروفسور كامل مرعي وابنته مروة، متخذة من فضاءات جغرافية جديدة تمثّلت في جدة ولندن وأميركا ودبي وستوكهولم فضاءات للسرد؟

الجمود وفق أدوات ثابتة يقتل ملكة التجريب لدى السارد

يجيب العلوي “السياق الروائي هو ما يقودني في صنع حيوات أبطال رواياتي ويحرّكهم زمانيا ومكانيا داخل وعاء السرد. الأحداث قد تسوق الروائي نحو اتجاه لم يكن يخطط له، فأنت قد تضع الأحداث وتبدأ في صياغتها إلا أنها قد تنحو بك فجأة منحى آخر، وهذه ما أسميها بالمفاجأة السردية، حيث إنك تبدأ فورا بالتفكير في الصياغة المناسبة لهذه الأحداث الطارئة التي لم تكن تخطط لها. هذه إحدى مميزات السرد، حيث ينتقل بك من النقيض إلى النقيض فجأة، وبلا مقدمات مما يدل على مرونته وعدم جموده في شكل أو قالب معين”.

تناول مقبول العلوي أثر حركة الصحوة على معالم القرية الفطرية التي كانت تكبر بحلمها البسيط ناحية الفنون والحرية والعلوم والمعارف الجديدة، ويؤكد أن “الذين صمدوا في وجه تيار الصحوة في السعودية قلّة، ويعدون على أصابع اليد للأسف. فقد تمّ تشويههم بشكل ممنهج، كما تم تكريس صورة غير حقيقية لهم في عقول الناس البسطاء. ولعب الصحويون على وتر الدين ولكنهم كانوا مؤدلجين، وإن أنكروا ذلك. كانت لهم أهداف يسعون إليها، وحينما تصدى لهم الأدباء حاربوهم بقسوة”.

ويتابع العلوي في ذات الموضوع “الذي ساعد المد الصحوي على الانتشار هو أن هذه الحركة نزلت إلى مستوى الجماهير، ولبست لبوس المصلحين واستغلت كل سبيل ممكن لتأجيج الصراع، وقد نجحوا بالفعل، بينما انكمش البعض من الأدباء أو أكثرهم، وانكفأوا على ذواتهم. ولكن، ما يلاحظ الآن هو الانحسار لهذا المدّ الصحوي الحالك السواد. صحيح أنه مازالت بقيّة من فلولهم تتسّيد المشهد في البعض من الأماكن إلا أن الناس قد بدأوا يتفهمون أن وراء الأكمة ما وراءها. هناك وعي يطلّ باستحياء، ولكنه رغم ذلك فاعل ومؤثر”.

في ختام حوارنا، يأمل ضيفنا مقبول العلوي من مؤتمر المثقفين السعوديين الخامس الذي سينعقد في الرياض أواخر هذا العام أن يخرج بقرارات وتوصيات جيدة، وأن يناقش مشروع إنشاء اتحاد للأدباء والكتاب السعوديين ويصبح له دوره الفاعل كما يجب أن يكون له.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر