السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

الأشياء العادية

في السنوات الأخيرة لم تعد هناك أي فرصة متاحة أمام الفن المعاصر، وإن التزم بالمعايير الواقعية 'الشكلية' لأن يكون واضح المعالم وصريح العبارات.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/10/07، العدد: 10417، ص(17)]

بعد لقاء صديق في أحد مقاهي منطقة الجميزة ببيروت اكتشفت موقع صالة عرض لم أزرها من قبل في إحدى “الزواريب” الضيقة والمتراجعة عن الشارع، اقتربت من الباب لأكتشف أن فترة العرض شارفت على الانتهاء، وأن الصالة مُقفلة بسبب العطلة الأسبوعية.

من خلال النافذة استرقت النظر، استطعت رؤية لوحة كبيرة لـ”طبيعة صامتة” تكاد أن تكون أحادية اللون. طاولة بسيطة وعليها بضع قوارير مختلفة الأحجام، المعرض كان لفنان إيراني شاب اسمه مورتيزا كوزرافي.

تساءلت، وأنا أطيل النظر في الأعمال من خلال نافذة الصالة، أي فنان شاب وبالتحديد من هذه المنطقة المشتعلة يمكن أن يستسيغ اختيار الطبيعة الصامتة كموضوع للوحاته دون أن يحملها رموزا وإشارات فوق طاقتها على الاحتمال؟ هذا أكثر ما دفعني إلى العودة في اليوم التالي.

دخلت بحذر إلى داخل الصالة الفنية، وإلى عالم خارج تماما عما هو سائد اليوم على الساحة التشكيلية إن كان من ناحية المواضيع المُتناولة أو لناحية تداخل التقنيات والأساليب الفنية المُعتمدة في العمل الواحد.

لا أدري لماذا وجدت شيئا من الغرابة في وقوفي طويلا أمام لوحات كهذه والتمعن في تقشف ألوانها وأشكالها وتكرار البعض من عناصرها، ربما لأنني اعتدت في السنوات الأخيرة على رؤية أعمال فنية بعيدة كل البعد عما جرى على تسميته بالطبيعة الصامتة، وخاصة تلك النمطية والمُتمثلة ببضعة أغراض عادية موضوعة على “شرشف” طاولة.

“بضعة أغراض عادية”؟ لم تكن عادية البتّة في لوحات فنان المعرض، إذ ما لبثت أن وجدت في هيئات الزجاجات المتناثرة من حولي على طاولات تماهت في أحيان كثيرة مع خلفيات اللوحات، صورة، لا بل أثرا باهتا لعالم إنسانيّ اختنق على دفعات، فما كان منه، إلاّ أن انكفأ وارتد إلى بساطة أشيائه دون أي حرج أو تكلّف: شكل من أشكال حياة دونية لا هي موت ولا هي حياة.

بضع قوارير وزجاجات نزع عنها الفنان ملصقاتها التعريفية أو التجارية فاستحالت إلى “نكرات” غير مبالية بما آلت إليه، فارغة كانت هذه الزجاجات أم لم تكن، لا يهمّ، فهي لن تحتوي بعد أن رسمها الفنان على هذا النحو أي مادة غير ذاتها.

حتى اللوحات التي غاصت في التجريد مقارنة مع لوحات أخرى، لم تخرج الأشكال، أي أشكال القوارير والزجاجيات من كينونتها الأولية، ظلت محافظة على قوانين ووضوح “ظهورتها”، حتى وهي في عزّ اشتعالها بألوان النار تارة، وأوج تحولها، تارة أخرى، وبهدوء قدريّ إلى مجرد سخام تتسلق الجدران صعودا حتى سقف اللوحة.

في وسط حلقة اللوحات المتراصة إلى جانب بعضها البعض وجدتني أتساءل “ما الذي يجري هنا بالتحديد؟ هل هو مجرد معرض فني عن الطبيعة الصامتة أم هو في قرارته استعراض افتراضي وغير مأساوي لموت المعنى الواحد عبر تعدده وتناسخه حتى الاهتراء الكامل؟”.

خرجت من الصالة بانطباع طاغ: منذ بداية الألفية الثانية باتت الأعمال الفنية أكثر التباسا وغموضا بالنسبة إلى المشاهد، أكثر التباسا أيضا حتى بالنسبة إلى صانع العمل الفني كما قال يوما، مُستبقا عصره، الفنان الفرنسي وأحد أهم مؤسسي الحركة الددائية مارسيل دوشان.

أما اليوم، وفي السنوات الأخيرة لم تعد هناك أي فرصة متاحة أمام الفن المعاصر، وإن التزم بالمعايير الواقعية “الشكلية” لأن يكون واضح المعالم وصريح العبارات وإن بدا ذلك للوهلة الأولى، لا بل يمكن الجزم بأن اليوم، أكثر الأعمال واقعية هي أكثر غموضا والتباسا من الأعمال التجريدية أو المفهومية.

أعمال تذكر، أكثر ما تذكر بما قاله يوما المفكر الفرنسي جورج باتاي “ثم صور تمتلك القدرة على جعلنا ننزف من الداخل”، لوحات تهشّم بصمت، بصمت الطبيعة الصامتة كتلك التي رأيتها في معرض الفنان مورتيزا كوزرافي.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر