الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

'أرض الصيد' يعري المسكوت عنه في الجامعات الأميركية

  • لا شك أن من أهم وظائف الفيلم الوثائقي “كشف الحقيقة”، أي التنقيب والبحث عنها والوصول إليها بشتى السبل، ثم عرضها من زواياها المختلفة، وإيصالها إلى المشاهدين، مهما كانت صادمة ومرعبة، فالغرض ليس إحداث الصدمة في حد ذاته، بل تنوير الرأي العام: الجمهور، المشاهدين، المسؤولين، وفي الكثير من الحالات، كما في حالة الفيلم الذي نحن بصدده هنا “أرض الصيد”، المطالبة باتخاذ موقف ما من أجل تصحيح الأمور.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/07، العدد: 10417، ص(16)]

لن نصمت بعد اليوم

أحدث الفيلم الوثائقي “أرض الصيد” الذي أخرجه الأميركي كيربي ديك، منذ عرضه في أوائل العام الجاري، ضجة كبرى، بعد أن تحول إلى “ظاهرة” إعلامية، وساهم في دفع الرأي العام إلى المطالبة بإعادة النظر في القواعد والقوانين التي تحكم نظم العمل داخل الجامعات الأميركية، ووصل الأمر إلى حد تنظيم عرض خاص للفيلم في البيت الأبيض، حيث شاهده الرئيس أوباما وخرج بتصريحات تدعو إلى ضرورة مواجهة التجاوزات الصارخة التي تحدث في نطاق الجامعات.

موضوع الفيلم هو ما تعرض ولا يزال يتعرض له عدد كبير من الطالبات داخل مقار السكن الجامعي في الجامعات الأميركية من اعتداءات جنسية من جانب زملائهن الطلاب، تصل إلى الاغتصاب، دون أن تتم ملاحقة الجناة، بل وفي أجواء يتم فيها إرهاب الضحايا من الفتيات وتهديدهن ودفعهن إما إلى الصمت وإما إلى ترك الدراسة وفي البعض من الحالات أيضا إلى الانتحار، كما نرى في الفيلم.

يبدأ الفيلم بمشهد يبدو للوهلة الأولى كما لو كان مشهدا ساخرا من فيلم هزلي، يتكون من لقطات متفرقة متعاقبة سريعة مصورة بكاميرات الفيديو المنزلية (أي أنها لقطات خاصة)، للحظة استقبال عدد من الفتيات، عبر شبكة الإنترنت، ما يفيد قبولهن في الدراسة بعدد من أشهر وأرقى الجامعات الأميركية، وهو ما يجعلهن يقفزن من شدّة السعادة والفرح، ويعبرن بطريقة هستيرية عن ابتهاجهن أمام أفراد الأسرة، بتحقق الحلم الذي راودهن طويلا في الالتحاق بالدراسة في جامعات محترمة تتمتع بالشهرة والتقدير على المستوى العالمي، مثل ييل وهارفارد وشمال كاليفورنيا وكولومبيا وفيرجينيا ونوتردام، وغيرها.

مدخلنا إلى موضوع الفيلم، الذي يُروى في سياق فني متماسك، يتمتع بالحيوية والإيقاع السريع، فتاتان ممن تعرضن للاغتصاب هما: “أندريا” (وهي أميركية من أصل كوبي)، و”آني”، وقد وقع ما وقع لهما أثناء دراستهما في جامعة شمال كارولينا.

وتروي كل واحدة منهما تفاصيل ما تعرضت له بشجاعة أمام الكاميرا، وكيف لجأت إلى إدارة الكلية والجامعة، إلاّ أن شكواهما لم تجد استجابة أو حتى تعاطفا من نوع ما، يخفف عنهما ما تعرضتا له من صدمة كان يتعين عليهما أن يدفعا ثمنها غاليا، من شعور بالعجز والاكتئاب وعدم القدرة على مواجهة الأهل والمجتمع، وكراهية الدراسة والشعور بالظلم الاجتماعي.

ما تعرضت له البطلتان يدفعهما إلى تنظيم حملة تتعاظم لتصبح حملة قومية على مستوى الولايات المتحدة بأسرها

بداية الحملة

ما تعرضت له أندريا وآني، سيدفعهما إلى تنظيم حملة تمتد لتصبح حملة قومية على مستوى الولايات المتحدة بأسرها، لدعوة كل الفتيات اللاتي تعرضن لتجارب مشابهة داخل الحرم الجامعي، إلى إرسال تفاصيل ما تعرضن له سواء بالصوت والصورة عبر السكايب (كما نشاهد في الفيلم) أو من خلال البريد الإلكتروني، ثم الانضمام إليهن في سعيهن إلى وقف مثل هذه الممارسات وتنظيم وقفات احتجاج علنية داخل الجامعات، ليس فقط ضد مثل هذه الجرائم، بل أساسا ضد سياسة الصمت والتجاهل “المنهجية” التي تتبعها المؤسسة التعليمية إزاء مثل هذه الأفعال الشائنة.

تصف الكثير من الطالبات ما تعرضن له من اعتداءات مهينة في ظروف مختلفة، من جانب طلاب من زملائهن في الجامعة، داخل السكن الجامعي، ثم يصفن كيف أصبحن أيضا في وضع الاتهام أمام رؤساء الكليات والجامعات عندما اشتكين إليهم من الأمر.

تكرر الطالبات الأسئلة القاسية المتشابهة بدرجة مفزعة، التي ووجهن بها مثل: هل قاومت؟ كيف قاومت؟ هل قلت لا؟ كم مرة قلت لا؟ (نرى لقطات لعشر فتيات أو أكثر) جميعهن يرددن السؤال نفسه: كم مرة قلت لا؟ في مونتاج سريع يقفز من مكان إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى، لكي يعرض لنا صورة صادمة مباشرة لما لا يمكن تصديق وقوعه في قلب المؤسسات التعليمية في دولة يحكمها القانون، وقبل ذلك، الذوق العام والكياسة وتقدير خطورة مثل هذه الاعتداءات، وما يمكن أن تؤدي إليه من ضياع مستقبل الكثير من الطالبات بعد تدميرهن نفسيا، كما يكشف الفيلم.

تصف آني كلارك مثلا صدمتها عندما ذهبت تشكو إلى عميد الجامعة ما تعرضت له، فقال لها ببساطة إن الأمر يشبه لعبة كرة القدم.. (كان ممكنا أن تكون طريقتك في اللعب مختلفة)، ولأنه لم يأخذ الموضوع على محمل الجد فقد رفض التحقيق فيه.

فتاة أخرى (تدعى كاميلا)، تقول إنها رفعت الأمر إلى الجامعة وتم التحقيق في الحادث، ثم تم فصل الطالب الذي اعتدى عليها من الكلية، إلاّ أنها شاهدته يعود إلى الدراسة بعد فترة قصيرة. يستعين الفيلم بالكثير من البيانات والإحصاءات التي تقطع المقابلات المصورة، لتظهر على الشاشة، تخبرنا مثلا بأن نسبة الطالبات اللاتي يتعرضن للاغتصاب داخل السكن الجامعي تبلغ 20 في المئة، أي بمعدل طالبة من بين كل خمس طالبات، وأن 100 ألف طالبة جامعية سيتعرضن للاغتصاب في العام الدراسي القادم، وأن الشرطة لم تحقق سوى في 26 في المئة من هذا النوع من الشكاوى.

فرح مؤقت تليه الفاجعة

ويعلق على الكثير من مفاصل الفيلم ديفيد ليساك، وهو طبيب نفسي لديه خبرة خاصة في التعامل مع مثل هذه الحالات، فيقول إن الغالبية العظمى من الفتيات اللاتي يتم اغتصابهن لا يذهبن أصلا للشكوى، لأنهن يعرفن أنه لن يترتب على شكاواهن أي فعل، وأن الشبان الذين يرتكبون هذه الاعتداءات عادة ما يكررونها، وأن متوسط عدد حالات الاغتصاب التي يمارسها الواحد منهم لا يقل عن 6 حالات، وأن الجامعات لا تقوم بتصعيد الموضوع، لأنها تريد صيانة أسمائها والحفاظ على سمعتها.

جريمة بلا عقاب

يتوقف الفيلم أمام قصة فتاة تعرضت للاغتصاب من جانب شاب لم تكن تعرفه أصلا، تظاهر بالتطوع لتخليصها من موقف سخيف تعرضت له من شاب كان يضايقها خلال حفل بأحد الأندية الجامعية، ثم قدم لها مشروبا، تعتقد أنه وضع فيه مادة مخدرة، ثم جذبها وهي لا تكاد تعي من أمرها شيئا، وأخذها إلى شقة بعيدة ثم اغتصبها، ورغم أنها قاومت كثيرا إلاّ أنه كان شديد القوة والضخامة، حيث استطاع التغلب عليها، خاصة وأنها كانت تشعر بالوهن الشديد.

يعرض الفيلم هذه القصة من خلال أسلوب إعادة التمثيل من على مسافة معينة، حيث تبدو الصورة ضبابية ليلية لا تظهر فيها وجوه الشخصيات، وتضيف الفتاة أنها شاهدت بعد ذلك الشاب الذي اغتصبها وهو يدخل الجامعة وعرفت أنه الطالب والنجم الرياضي البارز في لعبة كرة القدم الأميركية جيميس وينستون في فريق جامعة ولاية فلوريدا.

وهو الوحيد الذي يذكر اسمه صراحة في الفيلم من بين الشباب المتهمين، فقد شغلت هذه القضية الرأي العام الأميركي بعد أن أصرت الفتاة التي تعرضت للاعتداء على المضي قدما في قضيتها مهما كلفها الأمر، واستفادت من القانون الذي يفرض على الجامعات ضمان السلوك القويم من جانب الطلاب، ولكنها واجهت مصاعب بالغة، لأن وينستون رياضي مرموق يتمتع بشهرة كبيرة، وأصبح أهم لاعب في الفريق القومي الأميركي أيضا.

وقد رفض مدير الجامعة التحقيق معه في البداية، ورفضت الشرطة أخذ عينة من الحمض النووي، ثم مضت القضية ووصلت إلى أجهزة الإعلام، فرضخت الجامعة، وقامت بالتحقيق معه، كما أثبتت التحليلات تطابق الحمض النووي مع ما وجد عند الفتاة، ورغم ذلك رفضت الجامعة إدانته أو طرده.

الطالبات يكررن الأسئلة القاسية التي ووجهن بها، مثل: هل قاومت؟ كيف قاومت؟ هل قلت لا؟ كم مرة قلت لا؟

يعلق في الفيلم عدد من المسؤولين السابقين في الإدارة الجامعية، والبعض من الأساتذة السابقين، كما يظهر مسؤول أمن في جامعة نوتردام، يقول إن من المحظور على رجال الأمن تماما بموجب قوانين الجامعة الاتصال بأي رياضي من الرياضيين الذين يلعبون في فرق الجامعة، ويروي كيف أنه اعترض على مثل هذه الممارسات كما رفض التقاعس المتعمد عن التحقيق واتخاذ موقف عملي من مرتكبي هذه الحوادث، وعندما لم يجد أي استجابة تقدم باستقالته.

نشاط تجاري

يتفق جميع من يتحدثون في الفيلم من الخبراء في النظم الإدارية الجامعية، وفي مقدمتهم الباحثة المتخصصة دانييلا ديركس، صاحبة كتاب “التصدي للاغتصاب في المدن الجامعية”، على أن النشاط الرياضي بين شباب الجامعة نشاط تجاري يتضمن المليارات من الدولارات، وأن لاعبا مثل وينستون يجلب وحده الملايين من الدولارات سنويا للجامعة، وأنه ليس من مصلحة الجامعة ولا أي جامعة، التعريض بسمعة هؤلاء الرياضيين، كما تحرص على علامتها (التجارية).

وتضيف ديركس “أنت عندما تقول ‘هارفارد’، فأنت تبيع الاسم، الماركة، وبالتالي ليس من الممكن الاعتراف بوقوع حالات اغتصاب حتى لا يؤدي هذا إلى نفور ‘الزبائن’، أي أولياء الأمور الذين يدفعون مصاريف باهظة لإلحاق بناتهم بالتعليم في هذه الجامعات”.

وتعليقا على هذه النقطة تسخر إحدى المتحدثات في الفيلم من الأمر عندما تقول أمام الكاميرا (مخاطبة المخرج) “هل تتوقع أن تقول جامعة مثل هارفارد مثلا: مرحبا بإرسال بناتكم إلى جامعتنا، ولكن تأكدوا أن كل اثنتين من بناتكم ستتعرضان للاغتصاب.. حظا سعيدا”، أي أن الجامعات تحمي سمعتها ومكاسبها التجارية، وأن الموضوع كله يرتبط بنظام رأسمالي يعتبر التعليم “سلعة” للبيع والشراء، ومن هنا يتطرق الفيلم إلى ما يسمى بالعُصب المسماة “الأخوة”، وهو شكل من أشكال الأندية الطلابية التي يدفع أعضاؤها الاشتراكات، وتمتد عضويتها بعد التخرج، وهذه المؤسسات تدفع مبالغ طائلة في شكل تبرعات للجامعات.

من الصمت إلى الاحتجاج

وفي هذه النوادي تقع الكثير من حالات الاغتصاب، فإذا أقرت الجامعات بهذه الحالات وحققت فيها وأحدثت فضائح علنية، سيتوقف الدعم المالي الذي يعرض الفيلم أرقاما محددة منه، بلغت في إحدى الحالات تقديم 350 مليون دولار لجامعة واحدة!

لا يقتصر الفيلم على اغتصاب الفتيات فقط، بل يقدم أيضا نماذج لشهادات من البعض من الطلاب “الذكور” الذين تعرضوا بدورهم للاغتصاب من جانب زملاء لهم، وقد انتهى الأمر في معظم الحالات إلى رفض التحقيق من جانب الجهات المسؤولة، وإلقاء اللوم على الضحية، كما هو الحال مع الفتيات.

ينجح المخرج وكاتب السيناريو في جعل موضوع ثقيل الوطأة مثل هذا الموضوع، ممتعا في متابعته، من خلال شكل التحقيق الذي يتخذه الفيلم، والرحلة نحو الوعي والتنوير، التي تبدأ بالفتيات وهن يعبرن عن سعادتهن بالالتحاق بالجامعة، ثم ما وقع لكل من أندريا وآني، ثم بدء حملتهن من أجل كشف الحقائق أمام الرأي العام والمطالبة بحقوقهن، والسفر عبر مدن مختلفة، ثم تنظيم الاحتجاجات العلنية في الجامعات، واكتساب قوة ضغط تجعل أعضاء الكونغرس عن البعض من الولايات التي وقعت فيها هذه الحوادث، يتبنون القضية.

رغم قتامة الموضوع، يتميز الفيلم بروح السخرية والمرح في الكثير من المشاهد والتعليقات والمناظر من خلال أسلوب المونتاج المتوازي أو الفوتومونتاج، والحركة السريعة، أو رسوم الجرافيكس، والاستخدام المميز لأغنية “إلى أن يحدث لك” التي تغنيها ليدي غاغا، وقد كتبت خصيصا للفيلم، ورشحت أيضا لجائزة الأوسكار لأحسن أغنية سينمائية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر