السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

'آرك': مأزق الزمن المجهول ينهي العالم

  • في المسافة الفاصلة بين الزمن الحقيقي والزمن الافتراضي تؤسّس الدراما الفيلمية مساراتها، وأحيانا تتحول تلك المسافة الفاصلة إلى نقطة من متاهة هائلة يصعب معها التمييز بين الأزمنة المتعددة، وهي إشكالية مركّبة ترتبط مباشرة ودائما بالسرد الفيلمي، حيث يجد المشاهد الباحث دائما عن قصّة تروي نفسه في وسط تلك المسارات المتداخلة والمتقاطعة التي يمثلها سرد فيلمي مبني على أساس الأزمنة المتداخلة، وهو ما أتاه فيلم “آرك” لمخرجه توني إيليوت والذي يعرض حاليا في صالات السينما العالمية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/10/10، العدد: 10420، ص(16)]

أزمنة متشابكة لحدث واحد

واقعيا، هناك الكثير مما يجب فعله على صعيد الدراما الفيلمية، لغرض الحفاظ على مضي القصة السينمائية في مساراتها المنتظمة التي تشجّع المشاهد على المتابعة، لكن مسار السينما قدّم تراكما متنوعا من المعالجات التي تقتحم خطوط الأزمنة المتشابكة، ما بين الزمن الحقيقي والفيلمي وبين مقابله الزمن الافتراضي، وهو ما يغوص فيه فيلم “آرك” للمخرج توني إيليوت (إنتاج 2016).

العالم وقد انهار تماما ولا دلالة على حياة في الخارج، ذلك ما يمكن أن نتلمّسه مع المشاهد الأولى للفيلم، حيث يحاول رينتون (روبي آميل) التخلص من مأزق الزمن المجهول الذي يعوم فيه، أو ما يعرف بـ”لوب” زمني لا قرار له.

يفيق رينتون مذعورا مما يحسبه كابوسا وتظهر إلى جانبه صديقته هانا (الممثلة رتشيل تايلور) التي سرعان ما ستنخرط في ذات الدوّامة، إنهما في خطر، يدخل عليهما رجال ملثّمون مسلحون يشدّون وثاقهم، ثم يبدأ التحقيق معهم بدعوى أن رينتون هو سارق “سيكريبت” برنامج يدعى آرك من خلاله يتم قلب الأزمنة والتلاعب بها، لكن ما أن ينتهي المشهد بمحاولة رينتون فك قيوده وقيود هانا والهرب، حتى يدخلان مجددا في الكابوس ويفيقان منه، فيما العصابة تكون على الأبواب.

هذه الدوّامة الزمنية قدّمت سردا كثيفا في أجواء معتّمة وكابوسية، وهو سرد لم تفلح فيه محاولات المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو في فك مناطق الغموض والتشويش فيه، مع أنه بين الحين والآخر يحاول الخروج من “اللوب” الزمني إلى خطوط سردية واقعية من قبيل ما يشبه الغيرة التي تنشب في نفس رينتون بسبب علاقة هانا بصديقها السابق ووفائها له، لكنها تفسّر ذلك بسبب هجران رينتون واختفائه، مع أن السؤال هو أين اختفى رينتون؟ ومتى؟ وما هو دور هانا في تلك الدوامة؟

لن تجد جوابا مباشرا سوى أن السرد الفيلمي سيقودك مجددا ومرارا إلى مناطق غموض جديدة.

وعلى صعيد البناء المكاني يلفت النظر أن الفيلم بكامله تقريبا هو سلسلة من المشاهد الداخلية، وليس هنالك سوى المشهد الأخير الذي ينتهي بخروج رينتون وهانا إلى العالم المجهول، وهما يتفاديان استنشاق غازات أو سموم في ذلك العالم “الديستوبي” المجهول.

شخصية هانا في الفيلم محورية على صعيد البناء الدرامي، فهي شريكة رينتون في المهمة السرية للوصول إلى “سيكريبت” الزمن، وهي عدوّته أيضا وتتلصص عليه

الدائرة المكانية الواحدة تكاملت مع الدوامة التي صنعها السرد الفيلمي مما أضفى قتامة شديدة على الأحداث، فالمشاهد الداخلية في ذلك القبو شبه المعتّم لن تتعدى التحقيق مع الشخصيتين أو بالعكس ساعة أن يتمكن رينتون من العصابة والدخول في دائرة عنف تختلط فيها الشخصيات وطريقة الاقتصاص منها، وحتى هانا نفسها تكون قد قتلت برصاصة على أيدي العصابة، وهو أمر يكون قد محي من ذاكرتها.

الإشكالية المكانية جعلت من الأحداث أشبه بكابوس طويل لا يريد أن ينتهي، وتكرار مشاهد الاستيقاظ ثم الدخول في دوامة الزمن المتشظي غير المنتظم في مسار محدد، جعلت الفيلم يفتقد إلى نقاط جوهرية تتعلق بما ينتجه كل مشهد من المشاهد من تأثير تبنى عليه المشاهد اللاحقة، فكيف والمشاهد تستنسخ بعضها في وسط تلك الدوامة.

يتحدث مخرج الفيلم في إحدى المقابلات عن أنه اهتم كثيرا بالقصة لغرض منح المشاهد متعة الانهماك في الأحداث، لكنه واقعيا أسرف في ترك الزمن الفيلمي بلا تطور مهم في بنية السرد، واستعاض عن ذلك بزج بعض الثيمات السائبة من قبيل الصراع مع العصابة والبحث عن السر، وكلمة السر التي لا يمتلكها سوى رينتون، وصولا إلى اللحظة الأخيرة التي يخيّر فيها رينتون صديقته هانا بترك العصابة والانضمام إليه بقصد الهرب، بعدما يكتشف مثلا أنها قد تآمرت عليه.

شخصية هانا في الفيلم محورية على صعيد البناء الدرامي، فهي شريكة رينتون في المهمة السرية للوصول إلى “سيكريبت” الزمن، وهي عدوّته أيضا وتتلصص عليه، وهي حبيبة شخص آخر حتى تلتبس علاقتها برينتون، هذا الكل الكثيف من الأفعال المرتبطة بهانا أضاف المزيد من التشويش والتداخل على الأحداث المروية.

دراما خيال علمي تحاول الولوج في أشد الأزمنة قتامة والخروج منها بحل يتم فيه الانتصار للشخصية الرئيسية، بعدما تنال قسطا وافرا من الفشل والضيق ومحاولة التمرد على “اللوب” الزمني الثقيل، والحاصل أن المخرج بالرغم من شدّة قتامة الأحداث ورتابتها، إلاّ أنه سعى في كل مفصل في السرد الفيلمي إلى الزج بعناصر درامية جديدة لتطوير الأحداث، والحيلولة دون الإحساس بالملل، وخروج القصة الفيلمية عن مسارها، لكنه لم ينجح في ذلك بما فيه الكفاية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر