الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

مفاجأة من الإمارات في مهرجان لندن السينمائي

  • كان أحد أهم ما عرض من أفلام عربية في مهرجان لندن السينمائي العام الماضي الفيلم الإماراتي المتميز “زنزانة” للمخرج ماجد الأنصاري، وقد كتبت عن الفيلم في حينه وقلت إن الأنصاري “يبدو ابنا مخلصا لسينما المأزق العبثي التي يصبح البطل فيها سجينا لا يعرف سبب سجنه وماذا سيحدث له، ولماذا يتعرض لكل هذا التعذيب والتنكيل والتلاعب؟، إذ أنه حبيس لعبة عدمية تشبه لعبة الاختبار الممتد عبر الزمان للإرادة الإنسانية وللوعي الإنساني والقدرة على تجاوز مأزق الوجود نفسه”.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/11، العدد: 10421، ص(16)]

اختبار البقاء

يعتبر الفيلم الإماراتي “زنزانة” للمخرج ماجد الأنصاري من أهم الأفلام العربية التي عرضت في مهرجان لندن السينمائي العام الماضي، وكان يدور في بيئة غير محددة تماما، وكانت تغلب عليه النزعة التجريدية، وكان الموضوع الإنساني المجرد يصلح بالتالي لأن يدور في أي زمان ومكان، لكنه كان يدور تحديدا في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، في مكان ما بالعالم العربي، في بلد يخضع للقهر، ولكن طاقم الممثلين المتعدد الهويات لم يكن يسمح بحصر الفيلم في بلد ما.

طموح جديد

هذا العام يأتي فيلم آخر إماراتي هو فيلم “المختارون” للمخرج الشاب علي مصطفى، الذي يشارك في الدورة الستين من مهرجان لندن السينمائي، الذي يشهد عرضه العالمي الأول، فالمخرج الذي ينتمي لأب إماراتي وأم بريطانية، ولد ودرس السينما في لندن، وهو يرتبط عاطفيا بالمدينة وبمهرجانها الشهير.

وكان علي مصطفى قد قدم قبل عامين فيلم “من ألف إلى باء” (2014)، وهو من نوع الكوميديا الخفيفة في هجاء الواقع العربي، بعد أن قدم فيلما “إماراتيا” هو “مدينة الحياة” (2009) عن الحياة في مدينة دبي.

الملاحظ أن معظم ما أشرت إليه من أفلام تنتمي لمخرجين من الإمارات، تميل إلى التجريد أو الخروج عن إطار المكان أو البيئة الإماراتية (باستثناء مدينة الحياة)، وتفضل الابتعاد عن تناول تعقيدات العيش في مجتمع الإمارات بمشاكله وهمومه، ويفضل المخرجون الجدد الذين يسعون إلى التأسيس لحركة سينمائية في ذلك البلد، البحث عن صيغة أخرى لاختبار مواهبهم السينمائية من خلال مواضيع ذات صبغة “عالمية” أو “كونية” إنسانية، وهو ما يتضح في فيلمنا هذا الذي يحمل عنوان “المختارون” وهو المعنى العربي الذي اختاره المخرج لعنوان فيلمه الغامض بالإنكليزية “The Worthy”، أي “الجديرون بالبقاء”.

المعنى ملتبس قليلا، ولكنه يرتبط بموضوع الفيلم الذي يدور في بيئة مجردة أيضا شأنه في ذلك شأن “زنزانة”، قد تكون في مكان ما من العالم العربي أو في أي مكان من العالم، وتدور الأحداث في المستقبل بعد أن يكون الصراع بين البشر قد أدى إلى فناء العالم الذي تحول إلى أطلال وخرائب ومبان مهدمة، وظلت هناك مجموعات ضئيلة من البشر تخوض صراعا ضاريا من أجل الحصول على المياه النقية بعد أن قامت إحدى الجماعات المناوئة بتسميم مياه الشرب.

اختيار مقصود في توزيع أسماء الشخصيات في الفيلم، حيث هناك آدم وشعيب وموسى وعيسى ومريم

المياه النقية أصبحت عملة نادرة، فهي مطلوبة من أجل الاستمرار في الحياة، ومواصلة العيش على أمل الخروج من ذلك المأزق الوجودي.

وهناك مجموعة صغيرة من الرجال والنساء، يتزعمها “شعيب” (سامر المصري) وهو في الوقت نفسه والد كل من “مريم” (راكين سعد) و”عيسى” (محمود الأطرش)، وقد انغلقت هذه المجموعة على نفسها داخل مبنى مهدم له بوابة حديدية ضخمة، وتسلح أفرادها بالبعض من الأسلحة لكن هناك في الخارج من يهددها، وفجأة يظهر “موسى” (سامر إسماعيل) مع امرأة تدعى “غولبين” (ميساء عبدالهادي)، يقول إنها كردية لا تعرف العربية.

موسى ينقذ حياة شعيب من الموت المحقق على أيدي جماعة الأشقياء، وهو يتسلح بسكين حاد يعتبره جزءا منه يرفض تسليمه لشعيب حتى بعد أن يسمح له بالدخول والبقاء معهم، لكنهم لا يعرفون أنه تسلل إليهم بخطة جهنمية وهي أن يجري لهم جميعا اختبارا، هو “اختبار البقاء” أي من أجل اختيار الأفضل والأجدر بالبقاء على قيد الحياة.

يبدأ موسى في تصيّدهم جميعا واحدا بعد الآخر، يقتلهم بطرق مختلفة ولا يبقى منهم سوى واحد فقط هو الذي ينجو بعد أن يتمكن من قتل موسى، حيث نراه في نهاية الفيلم يتجه نحو المجهول وسط الخرائب والدمار والغيوم.

لا بد أن يكون المشاهد قد لاحظ ذلك الاختيار المقصود في توزيع أسماء الشخصيات في الفيلم، فلدينا آدم وشعيب وموسى وعيسى ومريم.

هناك الكثير من الإشارات الرمزية في الفيلم إلى فكرة التدمير التي استبدّت بالإنسان فأصبحت جزءا أصيلا في طبيعته، وجعلت ممارسة العنف والقتل أقرب إلى استدعاء الغريزة الأساسية التي كانت كامنة، والعنف يبدو هنا مدفوعا بفكرة نظرية تتلخص في أن العالم القديم قد هرم وشاخ وأصبح مصابا بالعجز، وأن هناك حاجة لبناء عالم جديد يعتمد على القوة والذكاء والشباب. إلا أنها فكرة لا يتم تطويرها، حيث تتحدد من حولها الشخصيات، فالعيب الرئيسي في هذا الفيلم هو الطموح الذي لا يقل عن أفلام هوليوود قوة، إنه لا يحدد لنا، من ضد من؟، وعلى أي أساس؟، ولماذا؟، وما هي طبيعة الصراع بالضبط؟

فموضوع الماء لا يبدو مثلا أنه يمثل هاجسا عند موسى القوي المقدام الذي يمضي في طريقه متسلحا بأقصى درجات العنف والقتل في الكثير من الأحيان، مجاني تماما، مقصود به الإرهاب فقط.

ولا شك أن البعض من المشاهدين العرب قد يشعرون بوجود إسقاط ما على “الحالة السورية”، أي ذلك الصراع المجنون الممتد هناك بين الفصائل المختلفة، من أجل السيطرة على ما تبقى من خرائب وأطلال في المدن المدمّرة، خاصة مع غلبة طاقم من الممثلين السوريين والفلسطينيين على الفيلم.

كما يمكن أن نلمـح أيضا إشارات خفيّة إلى فكرة العقيدة المتطرفة (لا علاقة لها بالعقيدة الدينية) التي تصنف البشر إلى “من يصلحون”، أي “المختارون” الذين يصمدون ويثبتون قدرتهم على البقاء، وبين “الضعفاء” أو “الزعماء الوهميين” الذين “لا يساوون شيئا”.

ويوجه الفيلم نقدا هجائيا واضحا ومباشرا لدور المثقف من خلال نموذج شخصية جمال التي يقوم بها الممثل الفلسطيني الموهوب علي سليمان الذي سبق أن تألق في “ونوانة”، فالفيلم يدين المثقف بأنانيته وانتهازيته وفشله في القيادة، وبالتالي عجزه عن القيام بدور “الزعيم”، لكن هذه الفكرة ترتبط فقط بقدرة ذلك “الزعيم” على حماية المجموعة التي ينتمي إليها، أي بفكرة أقرب إلى الأبوية أو “شيخ القبيلة”.

وترتبط فكرة بقاء “القادرين والأصلح” بعد اجتياز كل الاختبارات الصعبة، بنظرية الانتخاب الطبيعي، ولكن تظل فكرة الصراع البشري الهمجي بعد نهاية العالم هي المسيطرة على الفيلم على نحو أميل معظم الوقت إلى الشكل المجرد.

صنعة متقنة

يتمتع الفيلم بالإمكانيات الإنتاجية الكبيرة التي وفرتها شركة “إيماج نايشن” في أبوظبي، التي تعاونت في الإنتاج مع شركة “أستوديو أبيس” الرومانية التي وفرت كل ما يمكن من مهارات تقنية لضمان مستوى فني جيد للفيلم يضارع أفضل مستويات أفلام هوليوود المثيرة المشوقة التي تتميز بـ”الأكشن”، سواء من ناحية تنفيذ مشاهد المشاجرات والانفجارات أو من ناحية الخدع والمؤثرات الخاصة والصوت وغير ذلك.

فكرة بقاء (القادرين والأصلح)، بعد اجتياز كل الاختبارات الصعبة، ترتبط بنظرية الانتخاب الطبيعي، ولكن تظل فكرة الصراع البشري الهمجي بعد نهاية العالم هي المسيطرة على الفيلم على نحو أميل معظم الوقت إلى الشكل المجرد

ومن أبرز عناصر الصورة في الفيلم، بالإضافة إلى حركة الكاميرا التي تتخذ زوايا ومنحنيات ومسارات صعبة ومركبة، ما يعرف في لغة التقنية السينمائية بـ”تصميم الإنتاج”، وهو تعبير لا تصلح في رأيي ترجمته إلى “الديكور” أو “تصميم المناظر” أو “تنسيق المناظر”، فالمقصود هو إعادة خلق البنية التحتية من شوارع وبيوت وأبنية وخرائب ومخلفات وحطام.. إلخ، سواء في المواضع الطبيعية أو فوق منصات وأرضية الأستوديو، من أجل تجسيد بيئة مقنعة تستخدم في التصوير لإضفاء الواقعية على الخيال، وهو ما قدمته الشركة الرومانية، علما وأن تصوير الفيلم جرى في رومانيا.

كتب سيناريو الفيلم الأميركي فيكرام ويت، الذي سبق أن كتب وأنتج للسينما والتلفزيون أفلاما مثيرة مثل “ممر الشيطان” (2013)، و”الظلام يرتفع” (2016)، وسلسلة “التحدي” و”العالم الجديد”، وأدار التصوير مدير التصوير الروماني أدريان سيلستيو، ووضع الموسيقى الأميركي جوزيف بشارة (الذي سبق أن أعد موسيقى الكثير من أفلام الرعب الأميركية)، وقامت بعمل المونتاج شاهيناز الدليمي (إماراتية بريطانية)، وشارك في الفيلم عدد كبير من خبراء المؤثرات الخاصة ومديري الإنتاج والممثلين البدلاء.

وهناك الكثير من مشاهد العنف المفرط المنفذة جيّدا في الفيلم مثل بتر الساق وقطع الرقبة (على طريقة داعش) والشنق، والحرق، والطعن في البطن مباشرة، والوشم بالسكين، وقطع اللسان، وغير ذلك من الصور الهمجية التي يستخدمها الفيلم للإشارة إلى ما بلغه الإنسان من تدهور في عصر الصراع البدائي المستقبلي المتخيل.

ولا شك أن الفيلم عمل شديد الإتقان في الصنعة، من ناحيتي الصورة والصوت، وهو عمل جدير بالمشاهدة، يؤكد موهبة مخرجه الذي يتجاوز فيه كثيرا، من حيث التمكن من الإخراج والسيطرة على الممثلين، ما حققه في فيلميه السابقين، ولعل الأداء التمثلي الجيد لمجموعة الممثلين التي شاركت في الفيلم، ساهم في تلك الصورة السينمائية المشحونة بالمشاعر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر