الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

نخبوية الشعر

لقد أسهم التطور الثقافي وتداخل حقول المعرفة والأدب والفنون في تحول باتجاه توسع آفاق الكتابة الشعرية وتعميق صلتها بمرجعيتها الثقافية، ما جعل هذه التجربة تجربة ثقافية أكثر منها تجربة وجدانية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/10/11، العدد: 10421، ص(15)]

يحاول الكثير من الشعراء ودارسي الشعر الهروب من الإجابة عن أسباب تراجع حضور الشعر في المشهد الثقافي العالمي، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى القول بأنه يكتب لنفسه. هذه المفارقة هي تعبير عن أزمة في العلاقة بين أطراف العملية الإبداعية: الشاعر والكتابة والمتلقي، وهي أزمة تطال المكونات الثلاثة، وليس الشاعر والمتلقي وحدهما، لأن الكتابة هي التي تتوسط هذه العلاقة وتشكل جسر التواصل بينهما.

لا بد أولا من القول بأن القرن العشرين كان قرن التحولات السريعة والمتلاحقة في مفهوم الشعر وعلاقة الشاعر باللغة والأشياء والعالم، وقد تجلى ذلك في كثرة المدارس والاتجاهات الجديدة في الكتابة الشعرية، التي كان صداها يظهر متأخرا في شعرنا العربي الحديث بسبب الوصول المتأخر لتأثير هذه المدارس في ثقافتنا العربية، خاصة في ظل ما كانت تعاني منه من هيمنة للاتجاهات التقليدية عليها.

لقد ارتبطت هذه التحولات الكبيرة بالتطور الواسع الذي كانت تشهده الثقافة الغربية ومعها المجتمعات الغربية على كل الأصعدة، لكن التأثير الأهم كان للحربين الكونيتين في النصف الأول من القرن العشرين، حيث تركت هاتان الحربان المدمرتان آثارهما النفسية والاجتماعية والسياسية العميقة على تلك المجتمعات والثقافة الغربية، ما أنتج جملة من المدارس والاتجاهات الجديدة في الفن والشعر والفلسفة، الأمر الذي ينفي مقولة البعض من النقاد الغربيين حول موت المؤلف، كما يدحض مقولة النص المغلق والمكتفي بذاته عند البنيويين، والتي تلغي أي بعد لعلاقة النص بمرجعيته الخارجية.

من هنا لا يمكن الحديث عن مشكلة في تلقي الشعر العربي المعاصر بعيدا عن أزمة تلقي الشعر في العالم، خاصة بعد أن انفتحت الكتابة الشعرية العربية على الشعر الغربي وتجاربه المختلفة بصورة واسعة، وأصبح صدى تلك التجارب واضحا في تجارب شعرائنا الحديثين، وفي المفاهيم الشعرية التي يتم تداولها كثيرا كمفهوم الحساسية الجديدة وكيمياء الشعر وتفجير اللغة وقصيدة اليومي والتفاصيل وسلطة المخيلة والانزياح وقصيدة النثر.

لقد أسهم التطور الثقافي وتداخل حقول المعرفة والأدب والفنون في تحول باتجاه توسع آفاق الكتابة الشعرية وتعميق صلتها بمرجعيتها الثقافية، ما جعل هذه التجربة تجربة ثقافية أكثر منها تجربة وجدانية وحسية، لا سيما مع صعود الرمزية والاندفاع في مغامرة التخييل نحو المزيد من التجريد وتحرير علاقات الأشياء من بعدها الحسي من خلال الانزياحات الشعرية والبلاغية التي أصبحت ملمحا أساسيا للقصيدة الجديدة، مما زاد من غربة الشعر بعد أن أصبح فك مغالق رموزه وعلاقاته الداخلية وإدراك جمالياته، تحتاج إلى قارئ نخبوي متمرس يمتلك حساسية شعرية خاصة تجعله قادرا على التفاعل مع بنية هذه القصيدة وجمالياتها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر