الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

أحمد العجمي: للشعر قدرة لامرئية على التغير

  • تبقى أسئلة الشعر معلّقة بانتظار الشعراء الذين يؤسسون عوالمها بشجاعة وفق اشتراطاتها المعلنة والمستترة في محيط الإنسان المجرّد المتسائل على الدوام عن معناه وكينونته الوجودية وسط الحروب وصراعات الأفكار من حوله. “العرب” تحاور الشاعر البحريني أحمد العجمي حول جزء من تجربته الشعرية وحول البعض من القضايا الثقافية والسياسية في البحرين.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/10/12، العدد: 10422، ص(15)]

الهوية الجامعة هي التي مزقتنا

قدم الشاعر البحريني أحمد العجمي مؤخرا، مجموعته الشعرية الجديدة بعنوان “سريعا يتحرك الألم”، وتأتي هذه المجموعة بعد أكثر من عشرين مجموعة شعرية أطلقها منذ العام 1987 في فضاءات دور نشر عربية مختلفة، وبين يديه حاليا مجموعة من الأعمال الجاهزة للطباعة تصل إلى 12 عملا شعريا، فهو، بحسب ما ذكره لـ”العرب”، لم يتوقف مطلقا عن الإنتاج.

تجربة وسيطة

مجموعة “سريعا يتحرك الألم” هي نص واحد متماسك، مسكون بحالات من التوحش والدمار، ومحمل بصور من السوداوية، مثل “التفحّم، والسحب النفطية، والإله الميت، والجسد طعام الفئران، والعظام كومة فحم، واللسان شجرة صبار”، وقاموس طويل من مفردات الألم والعزلة والقطيعة والشعور باللاجدوى. وعن هذا يحدثنا ضيفنا العجمي قائلا “لا يذهب الشعر إلى الإهمال أو التقصير، أو الهروب عن المرئي واللامرئي من الحياة في حالات انكساراتها الحضارية، ويقتصر فقط على المجال الدافئ والآمن وغير المقلق؛ باعتبار أن البهجة والسكون والضوء هي مجالاته ومياهه. فهو، أيضا، يواجه الظلمة ليكشف البرودة والنقص، ويعرّي فكرة الكمال، بحثا عن الجمال حتى في العتمة القارسة”.

الشعر يواجه الظلمة ليكشف البرودة والنقص، ويعري فكرة الكمال بحثا عن الجمال حتى في العتمة القارسة

يتابع “هذا الديوان، الصادر عن دار بيت الغشام العمانية، علي صوته بلا خجل أو خوف أمام هزيمة الأحلام، وانتصار سطوة الماضي ورماده القاتل الذي يدفننا الآن في مقابر تتكاثر ويملأ أرواحنا بالخراب والقتل والسبي والبشاعة التي تستمد صوتها من حنجرة الماضي المطموس في رمال تمجّد الطائفية والطغيان. نحن الآن نعيش في اليباب المقترب من العدم. فأين هي أحلامنا وأمانينا بالحداثة والسعادة والحب التي بدأت منذ دخول نابليون بونابرت مصر. إننا الآن نرقص على إيقاع نعيق الغربان ومزامير الدّم. لقد تلاشى كل شيء تحت حوافر الأنظمة ومخلّفاتها”.

يرى العجمي أن “الشعر يمتلك طاقة هائلة على المستوى الوجودي والحياتي للإنسان، فمن خلال الشعر وتساؤلاته المضمرة يستمر الإنسان في البحث عن ذاته الفردية والجمعية ضمن تجليات وتمرئيات مختلفة تظهرها الصور والأصوات والأخيلة وارتداداتها في أعماق متفاوتة، ودوائر متباينة في علاقته بالموجودات وتمظهراتها الثقافية والاجتماعية. ومن خلالها تتحدد علاقته بامتداد الوجود حتى في العزلة. وللشعر قدرة على التغيير اللامرئي المتمثل في الإضافات والتراكمات اللغوية والجمالية والثقافية وطرق التفكير غير المباشر ضمن شبكة العلاقات المتباعدة التي يصوغها. ولولا الشعر لما نما الحب وتكاثر، أو فضحت الحروب وتعرّت. ونلاحظ كيف غير الشعر أشكاله عبر التاريخ، ومن خلال هذا التغير غيّر طرق تفكير المتلقي وذائقته. فالشعر ليس كالمطرقة، وإنما كالماء”.

ويعدّ البعض من النقاد تجربة أحمد العجمي الشعرية تجربة وسيطة بين تجربتين، تجربة يمثّلها قاسم حداد وأمين صالح وآخرون، وتجربة أخرى يمثّلها جيل الشعراء البحرينيين الشباب. لكن العجمي يرى أن هذه المقاربة غير دقيقة، وأنه لا بد من قراءة التجارب بمعزل عن الجغرافيا والانطلاق بها إلى فضاءات كونية أوسع على جناح اللغة ودلالاتها، ويعلّق على ذلك بالقول “ربما المقصود، هنا، ‘وسيطة’ في قوسها الزمني التأريخي، لكن الشعر لا يرهن نفسه لنقاط الابتداء والانتهاء في الزمن الفيزيائي المقاس بالأجيال، بل تأخذ التجربة مسارها في ما تنجزه ضمن مشروعها الخاص ووتيرتها المغايرة والخارجة عن الآخر. وهذا ما اشتغلت عليه دون الالتفات إلى ما قبل وما بعد. كما أن التجربة اتصلت بمشاربها واطلاعاتها على مشاريع لا تنحصر في البحرين. كما أنه لا يجوز الركون والانكماش في جغرافية ضيقة كالبحرين، في الوقت الذي أكتب وأنتج بلغة من المفترض أن يقرأ بها الملايين من العرب. فهذبت تجربتي من خلال الاطلاع على التجارب العالمية والاستفادة منها، ومن خلال قراءة الشعر العالمي المترجم الذي أثر كثيرا في فهمي وممارستي للشعر. وتجد في منجزي الشعري دواوين تشتغل على ثيمة واحدة، مثل: الوردة، والحجر، والحب، والحرية، والموسيقى، والضوء، والطيور، والكلام. ولا يمكن إنجاز ذلك ما لم يجتهد الشاعر في البحث والدراسة الكافيين لكل ثيمة. فالشعر في أحد أوجهه بحث ودراسة”.

من أجل الإنسان

الإنسان يغامر بحثا عن الذات

ضيفنا العجمي، إضافة إلى اشتغاله الأدبي والثقافي، هو ناشط في العمل الحقوقي والسياسي في البحرين، فهو عضو في جمعية وعد السياسية، كما أنه كان عضوا في أسرة الأدباء والكتاب البحرينيين، وشارك في مجالس إدارتها، وترأس مجلس الأسرة في الفترة ما بين 1999 و2001، كما ترأس تحرير مجلة “كرز” الأدبية الفصلية التي كانت تصدر عن الأسرة للفترة بين 2005 و2009.

هذا التاريخ من العمل الثقافي والسياسي جعلنا نتوقف مع العجمي حول تجربة الأسرة بعد أحداث 14 فبراير، حيث انتهت إلى حالة من التفكك، وما عادت البيت الأليف الذي كان الأدباء البحرينيون يسكنونه لسنوات. وكيف أنها عادت مؤخرا بدماء جديدة. تساءلنا معه عن مدى الرغبة في العودة إلى أسرة تلملم شتات الشعراء والأدباء البحرينيين، لا سيما مع تجدد المواقف على المستوى العربي. هل يرى العجمي أنه بالإمكان خلق هوية جامعة للمثقف البحريني بتعدد أطيافه وانتماءاته؟

يجيب العجمي مفصلا “كانت الأسرة في ماضيها قبل 14 فبراير مؤسسة ذات هوية تنسجم مع طموحاتي ونهجي الفكري والثقافي تحت عنوان الحرية. لكن الأسرة اليوم لا يمكنني الرجوع إليها لعدة أسباب وهي أولا: فقدت استقلاليتها وأصبحت قريبة جدا من السلطة وبعيدة عن الإنسان الذي هو شعارها (الكلمة من أجل الإنسان). ثانيا: هي مصادرة من قبل المؤسسين أنفسهم الذين يعتبرونها ملكا خاصا لهم وليس للأجيال، وعند أي اختلاف أو ميلان يجمعون تواقيعهم لتصحيح الوضع المنحرف كما يتصورون، وهذا ما حصل في 2011. ثالثا: إن من يرأسوا مجلس إدارة الأسرة ومازالوا، هم من ظهروا في برنامج الراصد في تلفزيون البحرين في فترة الطوارئ، وطالبوا بمحاسبتنا. والمحاسبة في تلك الفترة تعني الاعتقال وما بعده. رابعا: إن الكثير من أعضاء الأسرة وقعوا عريضة لمحاسبتنا في فترة الطوارئ، ويعني ذلك إعطاء مبررات للاعتقال وما يترشح عنه. مع ملاحظة أن البعض منهم لا ينوي ذلك. خامسا: لا يزال خطاب الطائفية والكراهية والإقصاء لدى العديد من أعضاء الأسرة وقياداتها، وهم يكتبونه في الصحف اليومية. وأخيرا لديّ قناعة راسخة بأن الأسرة كمؤسسة أصبحت بعيدة جدا عن الحرية، وبالتالي ماتت، ولن تنفع أي دماء جديدة في منحها الحياة التي تأسست من أجلها وذكّرتها بمبادئها”.

ويضيف العجمي “أما صيغة الهوية الجامعة، فهي التي مزقتنا وقذفت بنا إلى الجحيم، فهذه الحروب والانكسارات هي من أجل ترسيخ هوية مهيمنة ترى أنها الأصلح والأنقى، في الوقت الذي تثبت فيه الطبيعة والمجتمعات المتقدمة أن التعدد والاختلاف هما الإكسير الناجح للحياة”.

وعن المقاطعة الثقافية التي حصلت بين مثقفي البحرين بعد أحداث 14 فبراير وعن رأيه في تحييد السياسي عن الثقافي، يعلّق العجمي قائلا “الحياة ليست فيها متوازيات تسهل عملية الفصل والتعيين بل هناك تعقيدات مزمنة في الإنتاج الفكري والثقافي، فالسياسة هي نتاج ثقافي وفكري أيضا وبالتالي من الصعوبة إيجاد حدود الشبكة وخيوطها بين السياسة والثقافة. بل إن المشتركات أكثر من الفواصل، فالحرية والعدالة والتنمية والمساواة والتطور… إلخ، جميعها تمثل معجما مشتركا بين السياسي والمثقف، ولا تمكن، من موضع التعالي أو الانعزال، ممارسة الإقصاء وإدارة الظهر”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر