الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

بركة يقابل بركة

مؤلف فيلم 'بركة يقابل بركة' محمود الصباغ يعرف كيف يصوغ فكرته ويدعمها بالتفاصيل، ويدفع الحبكة إلى الأمام... مسلطا الأضواء على الكثير من السلبيات.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/12، العدد: 10422، ص(16)]

كنت أتصور أن مهرجانات السينما الدولية من برلين إلى لندن، ترحب بعرض الفيلم السعودي “بركة يقابل بركة” لمجرد كونه، كما وصفه الكثيرون “أول فيلم سعودي روائي طويل”، ولأنه ربما يستحق التشجيع والدعم بسبب جرأته أو تجرّئه على توجيه البعض من سهام النقد، إلى البعض من المظاهر السلبية في المجتمع السعودي وهو أمر يجد له عادة، صدى جيدا في الأوساط الغربية “الليبرالية”.

لكني فوجئت في الحقيقة، ليس فقط بجرأة الفيلم من الناحية الفكرية، بل وبمستواه الفني الرفيع، وأسلوب مخرجه المتمكن في رواية قصة بسيطة لها دلالاتها المتعددة، تدور في المجتمع السعودي في إطار كوميدي لطيف، مما يجعل الفيلم يجد له صدى لدى الجمهور داخل وخارج السعودية.

مخرج الفيلم ومؤلفه محمود الصباغ، يعرف كيف يصوغ فكرته، ويعرف كيف يدعمها بالتفاصيل، ويدفع الحبكة إلى الأمام، ويستولي على مشاعر المشاهدين، مسلطا الأضواء على الكثير من السلبيات، لافتا النظر إلى القيود المفروضة على العلاقة بين الرجل والمرأة داخل السعودية، معبّرا عن مشاكل الشباب الذين يتطلعون إلى إقامة علاقات عاطفية على أرضية الحب الحقيقي والمكاشفة والرغبة في الارتباط، لكنهم يدارون مشاعرهم أو يجدون أنفسهم عرضة للقمع سواء من داخل البنية العائلية التقليدية المتزمتة أو من جانب السلطات التي تفرض قوانينها الخاصة على الجميع، كما يتعرضون لحظر نشاطات الفنون والموسيقى والمسرح والسينما، ويعتبر هذا الحظر سببا رئيسيا لظهور التطرف والإرهاب.

بطل الفيلم شاب يدعى “بركة” يختار المخرج أن يجعله موظفا في البلدية مسؤولا عن ضمان الانضباط في الشارع، فهو يمر بسيارته كل صباح ليحرر المخالفات لمن يرى أنهم يسببون المتاعب، وقد يكون منهم فريق يقوم بتصوير فيلم دعائي عن أحد العطور مثلا، ويُصادف أن تكون نجمة الفيلم فتاة جميلة هي “بيبي”، سنعرف أنها ابنة بالتبني لامرأة تدعى ميادة تستغلها في الدعاية لمنتجات شركتها للأزياء ومستحضرات التجميل، وزوجها حمزة الذي يمارس سطوته الذكورية كلما أتيحت له الفرصة.

ما يلفت النظر إلى هذا الفيلم أن المرأة السعودية تظهر هنا من خلال شخصيات نسائية متعددة (على رأسها الممثلة والباحثة في علم الاجتماع فاطمة البناوي التي تقوم بالدور الرئيسي)، في ثياب عصرية، مكشوفة الوجه، قوية الشخصية، جميلة واثقة من نفسها ومن جمالها، بل تبدو المرأة في الفيلم أقوى من الرجل.

وفي أحد المشاهد نرى “بيبي” وهي تقود سيارتها ضاربة عرض الحائط بالحظر المفروض، كما يتمرد بركة الذي يقوم بدوره ببراعة كبيرة الممثل الشاب هشام الفقيه، على وظيفته، ويصبح أكثر تسامحا مع الباحثين عن فرصة لتقديم عمل فني، بل إنه يلتحق أيضا بفرقة مسرحية يتدرب مع أفرادها على القيام بدور “أوفيليا” في مسرحية شكسبير الشهيرة “هاملت”، إمعانا في السخرية من الرفض الاجتماعي القائم لظهور ممثلات على المسرح.

وفي مشاهد جيدة يستعرض بركة كيف كانت البلاد في الماضي ثم كيف أصبحت، كيف كانت هناك دور للسينما، قبل أن تصبح محظورة، ومن خلال الكثير من مجموعات الصور الفوتوغرافية نشاهد ما حدث من تدهور وتضييق على الحريات العامة في مجال التعليم والرياضة والمرأة، وحتى ما لحق من تغير خانق على الشكل المعماري، وكيف زحفت قيم جديدة مع تلك القيود التي فرضت على المجتمع، ويولي الفيلم تأثير وسائل الاتصال الحديثة مثل “انستغرام” وغيره، في الشباب، اهتماما خاصا.

وفي أحد المشاهد، يحلم بركة بوجوده الحر مع “بيبي”، كما تتخيل “بيبي” ما يمكن أن يقع من مشاكل إذا ما قرر الاثنان أن يلتقيا في أماكن عامة مختلفة، لتعلق قائلة “نحن نعيش في منفى”!

نعرف ما يعنيه اسم الفيلم “بركة يقابل بركة”، عندما تصرح “بيبي” لبركة في النهاية، بأن “بركة” هو اسمها الحقيقي، وينتهي الفيلم بالإثنين وهما يجلسان حائرين دون أن يبدو أنهما قد وجدا حلا للمشكلة، فالحل يبدأ في أرض الواقع وليس على شاشة السينما!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر