الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

تصويت المندوب المصري 'أمر مؤلم' للعراقيين

ليس تصويت المندوب المصري في الأمم المتحدة 'أمرا مؤلما' فقط، بل هناك أمور كثيرة مؤلمة في بيتنا العربي. فالمؤلم بالنسبة إلى العراقي هو كم كانوا كرماء بدمهم وأنفسهم في سبيل العرب، وكم كان العرب زاهدين بهم.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/13، العدد: 10423، ص(8)]

انتقد مندوب السعودية لدى الأمم المتحدة عبدالله المُعلمي تصويت مندوب مصر لصالح مشروع القرار الروسي بشأن الأزمة السورية، وقال إن تأييد مندوب مصر للمشروع الروسي “أمر مؤلم”. والمؤلم هو خطبة حسن نصرالله بمناسبة يوم العباس، فقد كانت تشي باسترخاء سياسي إيراني. باتوا يشعرون بالنصر إلى درجة الحديث عن المخدرات بدلا من السياسة. في أي زمن يدعو فيه الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح جنوده إلى التوجه نحو الحدود السعودية وإطلاق الصواريخ. هذا واقع عربي مؤلم.

لا نستطيع إلقاء اللوم على الرئيس المصري فقط، لا بد من مراجعة للسياسة العربية كلها. الجنرال عبدالفتاح السيسي لا يريد أن يصبح بطل الأمة العربية ويسحق العدو الفارسي، وتعلو الهتافات والأناشيد باسمه، ثم يصبح الجيش المصري خطرا يهدد العالم، وعنده أسلحة دمار شامل، ويتم احتلال البلاد وشنق الرئيس وحل الجيش، وتشتعل حرب أهلية بين المصريين. المصريون يخافون من مصير كمصير العراق.

حتى “مسافة السكة” التي اشتهرت عن الرئيس المصري بعد 30 يونيو 2013 يبدو أنها للتلميح فقط. لا يوجد شعب كالعراقيين الذين أنقذوا دمشق من احتلال إسرائيلي محتوم عام 1973، وأنقذوا العرب من عاصفة خمينية لعقود، ولكن ما هي النتيجة؟ لم يغفر إخوتنا لنا خطأ سياسيا ارتكبه زعيم أحمق.

مَن يرثي الأم الكربلائية التي قدمت ثلاثة أبناء لقتال الخميني، السيدة التي تتعثر في المقبرة وفي بخورها، تراها تسعى في المدافن تقبل “ذا الجدار وذا الجدارا” وكانت تغلق الحمام على نفسها، وتعض الحجر لتبكي بلا صوت حتى لا تُفزع حفيداتها الصغيرات.

هذه الأم أصبحت رافضية ومشركة في ما بعد، واستكثرنا عليها ملمس الشباك، وصرخة يا حسين من الوجع. فلتأت الأمهات العربيات السنيات وليباهلن هذه الأم. هل هكذا يكون الوفاء العربي؟ هل هناك أم عربية من المحيط إلى الخليج تقدم أبناءها فلذة كبدها لقتال الفرس والمد الفارسي؟ هذه الأم نفسها كانت تحار كيف تطعم الأيتام في الحصار. حصار وجوع داما 13 سنة والعروبة سمينة سعيدة، والشيعية أم الأيتام محاصرة. الأمة العربية كانت تأكل والشيعيات جائعات، الآن يقولون لماذا صار الشيعة عملاء لإيران؟

13 سنة منذ سقوط بغداد حتى اكتشف أشقاؤنا العرب أنهم تركوا فراغا بتخليهم عن العراق ملأته القاعدة وداعش. هذا الحديث متأخر جدا، أين كُنْتُمْ أيام اعتصامات 2012، هذا يذكرني بفيلم أميركي قديم، حيث يبحث رجل عن سبية من أسرته ولا يصل إليها إلا بعد عشر سنوات عند قبيلة هندية. قالت له السيدة “متأخر جدا عندي خمسة أطفال، واعتدت على حياة هذه القبيلة”.

تحرير الموصل اليوم يثير كآبة عالمية، توقفت المقالات العربية عن التدفق، هناك شعور بمحنة فلسفية، حتى المثقف الشيعي يشعر بورطة واستياء. فالسنة طائفة تمت إهانتها ثقافيا وأخلاقيا، وظهر داعش كحرب استرداد. إن داعش غضب سني في النهاية “حياة الذل لا نرتضيها”. بهذا الكلام المعسول سحروا الشباب.

هذا يعيد المثقف إلى حركة التاريخ. فهيغل أول من رأى أن الإنسان منذ فجر التاريخ سعى في سبيل شيء آخر أطلق عليه أفلاطون “الثيموس” أي الرغبة بالاعتراف والاحترام، وهذا سبب الصراعات بين البشر. فالطرف المقدام يضحي بحياته، والطرف الذي يفضّل الحياة يستسلم لمشاعر الخوف ويرضخ. هنا جوهر علاقة السيد والعبد. النبلاء والخدم. طبقة الذين يقتحمون في سبيل المجد، وطبقة الذين يرضخون لإرادة البقاء وتجنب المخاطر.

ولحل هذه المشكلة قامت في الغرب ثورتان، فرنسية وأميركية، لأجل حل هذا التناقض بين السيد والعبد، فكلا الثورتين قام على أساس المساواة بين البشر. دولة القانون والاعتراف المتساوي بالحقوق.

الحشد الشعبي يقتحم الموصل بصرخات “يا حسين” كأنه يستعيد كلمات الألماني نيتشه بأن الليبرالية قد أنتجت رجالا بلا صدور، أي بلا رغبة بمواجهة الخطر. وبالمقابل داعش يحمل الفكرة نفسها.

فالحشد (الشجاع) إذا هزم داعش يفرض فحولة التشيع على مدينة سنية، يفرض سيف ذي الفقار على نحر الصحابة، تركع أمامه الفتيات الموصليات ذليلات خائفات، وترتعد من صيحاته قلوب شجعان الموصل. العملية كلها حرب في سبيل السيادة. وبدأت فكرة العبيد تنتشر بين السنة، فهم الديانة المهزومة المستعبدة الذليلة، ولو تفحصت خطابهم لوجدته خطاب هزيمة. وهذا طبيعي فالمهزوم يؤثر السلامة، وينتظر شروط المنتصر. هذا هو المأزق الذي دفعنا إليه داعش.

لا توجد فرصة في جو كهذا من ترسيخ قيم المساواة، لأن المعركة ليست معركة مساواة. العدناني خطيب داعش المقبور يستشهد بالقرآن “وأنتم الأعلون إن كُنْتُمْ مؤمنين”. داعش يقدم نفسه كحركة تمرد لاسترداد احترام مفقود، طموح للسيادة ولكن بأسلوب إرهابي، رد عليه الشيعة بالحشد الشعبي الذي سيفرض السيادة الشيعية في معركة دعا إليها السنة أنفسهم. وبعدها يصعب الحديث عن مساواة، وهذا ما يقلق المثقف الشيعي العراقي، فالمثقف بطبيعته يتخوف من هذه النتيجة لأن قيم المساواة وحدها كفيلة بالسعادة والسلام في المجتمع. بكل أسف العراق انحدر اليوم إلى عصور مظلمة، ولا يمكن لأحد التنبؤ بالمستقبل.

في تحرير مدينة كبيرة كالموصل يتضح التناقض السني، في محاولة يائسة لمنع الحشد الشعبي من دخولها، مع عجزهم عن تحريرها بأنفسهم. استمعوا إلى ما يقوله الإخوان المسلمون في العراق واضحكوا. إنهم يحاولون دون جدوى أن يكونوا طرفا منتصرا في هزيمتهم، في هزيمة انتصارهم، وانتصار هزيمتهم. المثقف الشيعي يعلم ورطتهم ولكنه لا يستطيع فعل شيء، فالتناقض جوهري.

ليس تصويت المندوب المصري في الأمم المتحدة “أمرا مؤلما” فقط، بل هناك أمور كثيرة مؤلمة في بيتنا العربي. فالمؤلم بالنسبة إلى العراقي هو كم كانوا كرماء بدمهم وأنفسهم في سبيل العرب، وكم كان العرب زاهدين بهم.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر