الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

'تواز' معرض مفاهيمي عن الأشياء التي لا تلتقي أبدا

  • ضمن مهرجان البحرين الدولي الخامس والعشرين للموسيقى افتتح مؤخرا بصالة “مركز الفنون” بالعاصمة البحرينية المنامة معرض جماعي بعنوان “تواز” للثلاثي البحريني علي حسين ميرزا وميسم الناصر ومحمد حداد، حيث يأتي المعرض استكمالا لمشروع هيئة البحرين للثقافة والآثار في تنويع أنشطتها الثقافية بين الموسيقى والغناء والفنون البصرية والأدائية.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/10/14، العدد: 10424، ص(17)]

صناديق أسرار خفية

في محاولة للهروب من فضاءات اللوحة التقليدية المحكومة بالإطار وبالجدران، قدّم الثلاثي البحريني علي حسين ميرزا وميسم الناصر ومحمد حداد في معرضهم المعنون بـ”تواز”، خمسة أعمال مفاهيمية تدور حول الإنسان المنعزل في تفاصيله اليومية وسط الجموع، فهو بينهم لكنه ليس معهم، إنه منهم، لكنه خارج عنهم ضمن تصوراته وعوالمه وخيالاته التي قد تأخذه إلى آخر العالم دون أن يلتقي بأحد فيه، ليعود لذاته من غير أن يدرك أن الآخرين كانوا معه على متن الرحلة نفسها دون أن يتنبهوا له أيضا.

ومعرض “تواز” الذي يستمر حتى الثلاثين من أكتوبر الجاري بصالة “مركز الفنون” بالمنامة يقف أمام الإنسان باعتباره سؤالا كونيا يفترض كينونة الآخر، ولا يفترضها في ذات الوقت، فهو من جهة يعيش اللحظة الكونية ذاتها، لكنه في فضاء كوني تصوري مختلف، فهل يجب علينا أن نتشابه لنكوّن مجتمعا؟

ويقول علي حسين ميرزا عن فكرة المعرض “بدأ تشكّل المشروع من تأملنا لأوتار العود والقيثارة المتوازية دائما، والتي تشكّل في الوقت نفسه هارموني متكاملا رغم عدم التقائها”.

حاجز افتراضي

قدّم الفنان علي حسين ميرزا ثلاثة أعمال تتمحور حول الحواجز التي تخلق بين البشر، تلك الحواجز التي يخلقها الفرد، أو التي يخلقها الآخرون وهم يمضون في الاتجاه نفسه ليبلغوا الغاية نفسها.

الفنان علي حسين ميرزا قدم ثلاثة أعمال تتمحور حول الحواجز التي تخلق بين البشر، تلك الحواجز التي يخلقها الفرد، أو التي يخلقها الآخرون وهم يمضون في الاتجاه نفسه ليبلغوا الغاية نفسها

في إطار هذه الفكرة وضع علي ميرزا عشرين صندوق بريد مرسوما عليها وجوها بعضها حقيقية وبعضها افتراضية، مثل محمد الماغوط، محمود درويش، ليلى مراد، مارلون براندو، امرأة عجوز من أميركا اللاتينية، فيروز، جبران، غسان كنفاني وغيرهم، ومع هذه الصناديق قدّم تسجيلات صوتية لبعضهم أو على لسانهم ليجسّر الهوة بين الأنا والآخر المختبئ في صندوقه البريدي الخاص.

ويقول علي عن هذا العمل “نحن صناديق بريد، متجاورون، ولكن أحدا لا يعلم ما بداخل الآخر، فالقرب المادي لا يغني عن القرب المعنوي، إن كمية الأسرار التي يحملها كل إنسان تختلف في مضمونها وعمقها عن الآخر، فلا أحد يعلم ما بداخل تلك الصناديق إلاّ المرسل وربما المتلقي”.

وفي العمل الثاني وضع علي ميرزا طاولة بكرسيين متواجهين وبينهما على الطاولة جدار من طوب، إنه جدار افتراضي، لكنه وضعه أمام المتلقين بشكل تفاعلي ليقارب فكرته بالتركيب التفاعلي، ولكي يقرّب فكرته للمتلقين قام بتصوير فيلم سينمائي قصير يحاكي هذه التجربة، فوضعنا أمام صورة سينمائية من دقيقة واحدة لحبيبين على طاولة واحدة، لكن كل واحد منهما مشغول بعالمه الافتراضي في هاتفه الخاص.

ذكرنا العمل الذي قدّمته الفنانة ميسم الناصر بمجموعة الفنانة الإيطالية كريسينا غوغيري، حين قدّمت مجموعة من الشخصيات الدينية والسياسية وهي جالسة في المراحيض، في محاولة منها لأنسنتها وتأنيسها، ولكسر حالة الصنمية والعبادة المفترضة، سواء التي تعيشها، أو التي يعيشها الآخرون معها رغما عنهم.

رغم هذه المقاربة بين العملين غير أن الأمر لدى ميسم الناصر لم يكن على هذا النحو، فهي تأتي لعملها وفق منظور مختلف إلى حد كبير، لكنه يمتلك نفس معالم الجرأة التي اقتحمتها كريستينا، ففي إطار فكرة المعرض المفاهيمية وضعت الناصر سبع شخصيات مختلفة الهويات والأعمار والثقافات في مراحيض متجاورة لا تظهر منها سوى الأرجل، ليعاين المتلقي حالات إنسانية منعزلة رغم التصاقها الشديد، فما يفصلها عن بعضها مجرد جدار رقيق جدا، لكنها في عوالم مختلفة.

علي حسين ميرزا: نحن صناديق بريد، متجاورون، ولكن أحدا لا يعلم ما بداخل الآخر

تقول ميسم عن تجربتها “حياة الناس التي تأتي من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات التي تبدو معزولة، تمضي في تواز على الرغم من التشابه في دورة الحياة نفسها والخبرات الأساسية، والغرائز والاحتياجات، نلتقي، ونتفاعل، ونتبادل وهم الاتصال، وهم مجرد من الحقيقة والالتقاء كخطين متوازيين، يمكن أن يعطيا وهم نقطة الالتقاء (التلاشي) اعتمادا على منظورنا لهم”.

تشويش

محمد حداد القادم من خلفية ثقافية موسيقية خالصة لم يبتعد في عمله الأول الذي قدّمه بعنوان “تشويش” عن فضاءاته الموسيقية التي يتقنها، فقدم عملا مكوّنا من شاشة تلفزيون بهوائي مصنوع من “علاقات” ملابس معدنية، عرض فيها فيلمين متداخلين، بينهما تشويش.

فيلمان يعرضان مجموعتين مختلفتين من البشر في شاشة واحدة على التوالي، ويتعاملان مع الآلات الموسيقية نفسها، لكنهما من ثقافات وعوالم متغايرة، ففي الأول قدّم مشهدا لمايسترو وسط أوركسترا موسيقية مبهجة، ربما تعود لموزارت، بينما التشويش يفسد هذه اللحظة بمجموعة متشددين يرتدون الشماغات والثياب البيضاء القصيرة ليقدموا على تكسير الآلات الموسيقية لأسباب دينية، وهم يكبّرون ويهللّون مبتهجين بمنجزهم.

هذه الصورة المربكة تمعن في تفاصيل العزلة والتوازي بين البشر وفق هوياتهم التي تتحدد بفعل الميديا والتوجيه، فهما عالمان متجاوران لكنهما متوازيان لا يلتقيان رغم لقائهما، ولا يريان بعضهما مع أنهما في أفق بشري واحد، وهذا ما عبّر عنه محمد حداد بقوله “بعض أنواع التشويش لا يكون سببه الجو، لكن الهوائي أحيانا يساهم في ذلك”.

وفي العمل الثاني الذي عنونه بـ”استراحة” اختار حداد وضع منفضة سجائر في وسط الغاليري ضمن دائرة محددة، في إشارة إلى منطقة التدخين المسموح بها، والتي يجتمع عادة فيها المدخنون في المطارات و”المولات” والحدائق وغيرها، من كل حدب وصوب، دون أن تربطهم علاقة سوى الصمت والتدخين، إنها استراحات لمزاج بشري، لكن ليست بالضرورة أن تعبّر عن شكل الطريق، كما يقول حداد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر