الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أكلة لحوم البشر نتيجة طبيعية لانهيار الدول

عودة إيران الصفوية أمر يبعث على عودة تركيا العثمانية. هذا ليس بيد أحد، بل من بديهيات التاريخ وقدرياته.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/16، العدد: 10426، ص(5)]

القيارة، التي هي من ضواحي محافظة نينوى الجنوبية، انتشر فيها تسجيل فيديو لشاب عراقي يفتح صدر شاب داعشي بسكين وينتزع قلبه، ثم يرفعه إلى فمه ويأكله.

المفاجئ أن الناس يشاركون بالتقطيع ومدّ يدهم داخل صدر القتيل. وكما تفعل الضباع تماما، ما إن انتهى الأول من انتزاع القلب، حتى قام الثاني وهو فتى يافع بانتزاع الرئتين وصارتا تتأرجحان في يده.

المثير أن الرجل العجوز الواقف في الموقع، بدلا من أن ينهى وينصح، تراه يمسح الدم عن فم الشاب الذي أكل القلب بمنديله، وكأنه متعاطف ومتفهم لهذه الوحشية.

في سوريا حدث هكذا شيء قبل ثلاثة أعوام، وضخمه الإعلام حتى أدى إلى التدخل الروسي، وضيّع ذلك المشهد التعاطف مع السوريين. وهذا المشهد أيضا ليس بريئا على الإطلاق. فإذا كان القتيل داعشيا والذين يأكلونه “سنة” عراقيون فهي رسالة موجهة إلى العالم طبعا.

أردوغان يريد أن يوجه حملة تعاطف إعلامي مع نينوى، فخرج هذا الفيديو ليقول بطريقة صادمة؛ بأن أهل نينوى يأكلون لحوم البشر، بل يأكلون لحوم الدواعش.

أيّ أجنبي يرى هذا التصوير سيكره العرب والمسلمين جميعا، وعلى نحو خاص سيحتقر سنة العراق. الواقع أنها حادثة فردية مدبّرة، لا تمثل الناس على الإطلاق، لا من قريب ولا من بعيد، ولا يمكن أن يكون هذا هو وجه العراقيين، ولا وجه نينوى.

في كل مجتمع هناك مجرمون وعلى الدولة والجيش العراقي التحرك ومكافحة النزعات الشريرة والانحرافات. لقد شاهدنا أبو عزرائيل، أحد رموز الحشد الشعبي، قبل عام وهو يعلق جثة شاب داعشي ويقطع من جسده قطعة كبيرة من اللحم.

وهناك مشاهد لمجموعة من الميليشيات تحرق شبابا دواعش وتقول “هي رسالة موجهة إلى السعودية”، إن العراق ينحدر إلى بربرية مخيفة. وماذا نتوقع من الإسلام السياسي، وانتشار الميليشيات المنفلتة، وضعف الدولة والقانون؟ هذا ما تخوفت منه جميع الدول العربية منذ البداية.

على مدى ليلتين متتاليتين لم يتردد حسن نصرالله في إشعال المنطقة بخطابات تحريضية بلا وازع من ضمير. ينقل حسن نصرالله في ليلة العاشر من محرم عن النبي قوله إن لحفيده الحسين “حرارة” في قلوب محبيه لا تبرد حتى قيام الساعة. وهل هي حرارة خاصة بالشيعة؟ وهل هي حرارة الحقد والثأر والانتقام؟ تلميحات غامضة ومضرة تشبه تلميحات قيس الخزعلي، قائد ميليشيات عصائب أهل الحق في العراق، حيث قال مؤخرا إن انتصارات الميليشيات سببها “الإمام الحسين”، وتحرير الموصل سيأتي “انتقاما وثأرا لقتلة الحسين”.

في مواجهتنا مع داعش يتم تبشيع مجتمعات بأكملها، ففي النهاية لن تصب هذه الدموية إلا في مصلحة الأطراف الاستعمارية التي ستتجه إلى شعوبها وتقول لا نستطيع قبول المسلمين كلاجئين فهم أكلة لحوم البشر، ولا نستطيع التوقف عن قصفهم بالصواريخ لأنهم خطرون ومجرمون. وهكذا سيتم حصار شعوب بأكملها.

حسن نصرالله يريد أن يقنعنا بأن بشار الأسد زعيم محبوب، ولو حدثت انتخابات لصوّت له الشعب السوري بكل سرور، وفي نفس الوقت يخيفهم بأن البديل هو النصرة وداعش واللذان يقتلان بعضهما البعض، ويفسدان في الأرض، ويستبيحان المحارم.

كيف يمكن لرجل دين أن يمتلك مهارة خطابية كهذه، بحيث يصبح مدافعا عن دكتاتور علماني يقود نظاما مستعدا لارتكاب أبشع الجرائم بما فيها محو المدن. إلى يومنا هذا تجري تحقيقات في قصف مدينة دريسدن الألمانية نهاية الحرب العالمية الثانية، التي لا يختلف عنها قصف بشار الأسد لحماة وحمص وحلب في شيء، بل ربما يفوقها وحشية. مع هذا لا توجد مشكلة عند حسن نصرالله فهو بنظره نظام مثالي محبوب سيواجه به أميركا وإسرائيل. لا بد أن يكون هذا الخطيب موهوبا بحيث يقلب الحقائق بسهولة.

تحريك رماد معارك خامدة

مشكلتنا مع بشار الأسد أنه يستعين بميليشيات منفلتة، لا تختلف عن الدواعش في إجرامها. وهي ميليشيات استقدمها من دول أخرى كحزب الله ولواء العباس وغيرها.

ممثلة سوريا في مجلس الأمن ترد على ممثل السعودية الدائم قائلة إن هناك انتهاكات في السعودية لحقوق الإنسان أكثر من سوريا. بأي منطق هذا الكلام؟ سوريا فيها عشرة ملايين نازح ونصف مليون قتيل، كيف يمكن مقارنتها بدولة غنية آمنة كالسعودية؟ كيف نصل إلى تفاهم والحد الأدنى من المنطق غير متوفر.

السيد حسن نصرالله يحرض اليمنيين على التصعيد ضد السعودية، بل يصرح علنا بأن الحوثيين سيسقطون النظام السعودي. هل هكذا تكون المسؤولية؟ نحن نتألم من هذه الحرب التي يتضرر منها اليمني والسعودي، ونريد نهاية عاجلة لها، حتى تتمكن الدولة اليمنية من العودة لممارسة مسؤولياتها في الأمن والصحة والتعليم، بينما السيد حسن نصرالله يدفع إلى الخراب حتى النهاية دون أن يطرف له جفن، بل ويستشهد بمقولة خامنئي في أن “الحوثيين سيمرغون أنف آل سعود في التراب”. إن المشهد مؤلم في العراق وسوريا واليمن وليبيا بسبب ضعف الدولة، وانهيار سلطة القانون، وسيطرة الإرهاب والميليشيات.

مصر تقول إن السبيل الوحيد هو دعم الجيوش والحكومات بغض النظر عن موقفنا منها، بما في ذلك دعم الجيش العراقي والجيش السوري. من وجهة نظر مصرية إن أي دعم للميليشيات في أي اتجاه سيضعنا في حالة تناقض.

مصر تعارض حتى التدخل التركي في نينوى. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول إن الجيش التركي لم يفقد شكيمته ولن يغادر قواعده في بعشيقة المتاخمة لمدينة الموصل. المشكلة أن تركيا لا تدفع رواتب أهل الموصل فهي مدينة عراقية، فالمسؤول عنها حكومة بغداد. ولا نعرف الفائدة من تهديد الرئيس التركي لرئيس وزراء العراق حيدر العبادي قائلا “إن عليه أن يلزم حدوده وإنه ليس ندا له”.

نحن نعيش “الفوضى الخلاقة” بمعنى الكلمة، خصوصا وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يفهم حتى اليوم كيف أن قرآن المسلمين يدعو إلى جهاد الجيش الروسي وذبح جنوده في احتلال أفغانستان، بينما يرحّب في نفس الوقت باحتلال أميركا للعراق. إن بوتين يتساءل: هل ربّكم مسارع لكم في هواكم إلى هذه الدرجة؟ هذه مخاطر زج الدين في السياسة.

هناك تقارب تركي سعودي اليوم بعد كل ذلك الصراع على مصر الذي انتهى بطرد الإخوان المسلمين، وسجن المرشد محمد بديع مع الرئيس المخلوع محمد مرسي. لا يوجد ذكر لموضوع الإخوان المسلمين في هذا التقارب. هل يحق للحكومة المصرية القلق أم لا؟

السعودية أقرب إلى أردوغان من السيسي من ناحية التوجه الإسلامي للبلدين. هناك تقارب أيديولوجي بين حزب العدالة والتنمية والمشايخ السعوديين، مهما حاول الإعلام السعودي نفخ أوداجه والتظاهر بالليبرالية، إن إنكار الحقيقة يضعنا في حالة من الفقاعات الثقافية المضحكة.

لا بد من واقع يسند الخطاب، وإلا فإنه مجرد قفزة في الهواء. بين تركيا والسعودية يوجد حد أدنى من التفاهم الإسلامي بسبب مناهج التعليم الديني في البلدين والدعاية الإسلامية والثقافية. والحكومة المصرية -من جهة أخرى- علمانية وهناك حساسية قوية من الإسلاميين، إلا أن مصر دولة عربية وليست أجنبية وهنا المحنة. لقد سبق للعرب مقاطعة الرئيس المصري الراحل أنور السادات بعد زيارته لتل أبيب وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وبعد سنوات حدث صلح مع السادات نفسه. وقال السادات “عاد العرب إلى مصر”، الموضوع محير وعلينا الاستعانة بالفلسفة لفهم ما يجري.

السؤال هو لماذا كان الصراع عثمانيا صفويا؟ أساسا الدولة العثمانية لم تنهض كإمبراطورية إلا بعد هزيمة المماليك في مصر حوالي بدايات القرن السادس عشر. معركة دابق -هنا رمزية داعش وخدماتها لأردوغان- قرب حلب. هناك تنافس مصري تركي قديم تم حسمه لقرون طويلة لصالح تركيا، والصراع مع إيران كان يتم من خلال تركيا.

هناك إمكانية جغرافية في تركيا تستوعب الجغرافيا في إيران، ثم إنه لم يكن صراعا بالحروب دائما، بالعكس كانت الإمبراطورية العثمانية تنعش التبادل التجاري والمال مع الإمبراطورية الصفوية. يتصارعان سياسيا على النفوذ على حساب العرب وثرواتهم ومستقبلهم.

لنفترض أن إيران مدفوعة بشيء خارج إرادتها بحكم طبيعتها الجغرافية وتاريخها القديم يدفعانها بقوة إلى بسط نفوذها على العراق وسوريا ولبنان واليمن ومناطق أخرى. ما العمل؟ لا يمكننا تحطيم إيران بقنبلة نووية. ما الذي سيحدث إذن؟

كل عودة لروح في التاريخ “أطروحة” تصاحبها عودة لروح نقيض “أطروحة مضادة”. عودة إيران الصفوية أمر يبعث على عودة تركيا العثمانية. هذا ليس بيد أحد، بل من بديهيات التاريخ وقدرياته. قال فوكوياما إن هيغل أخطأ فلا يمكن أن يستمر الجدل في التاريخ واقترح “نهاية التاريخ”. بسيادة القطب الواحد وهو يقصد أميركا.

لم يمر أكثر من عقدين على سقوط الاتحاد السوفييتي حتى عادت روسيا قطبا قويا. لماذا؟ لأن هذا هو منطق التاريخ. فوجود قطب واحد يعني نهاية الثقافات. تبدأ أميركا وتقول لا نريد إسلاما هذا دين رديء، أو لا نريد بوذيين وتنتهي الثقافات بسبب وجود طرف واحد قوي، لكن التاريخ لم يكن يوما قطبا واحدا.

يمكننا الوقوف ضد إيران والإرهاب وتركيا في وقت واحد دون تردد، لأننا اعتقدنا بأننا نقف مع نهاية التاريخ وهذا ما حدث، لكن فجأة دخلت روسيا في المشهد وانهارت علاقتنا بأميركا. الولايات المتحدة تحت ضغط التناقضات التي هي من جوهر التاريخ نفسه، وديونها التي وصلت إلى 30 تريليون دولار صارت تحاول ممارسة القرصنة على حلفائها الأغنياء والاستيلاء على مدخرات شعوبهم وثرواتهم، أي أن الثقة تزعزعت بالعالم القديم.

ما معنى أن توقّع السعودية عقدا مع الصين يقضي بالتعامل المباشر بين عملتيهما دون المرور بالدولار؟ السعودية تعطي الصين بترولا بقيمة خمسين مليار دولار سنويا والصين تقدم لها بضائع بذات القيمة. ألا يشي هذا بوجود تخوف من نوايا الولايات المتحدة تجاه السعودية؟ وأنها تحاول تنويع علاقاتها وحماية شعبها؟

الوضع في غاية التعقيد. ودون سلطة مركزية وحكومات قوية سنصل بكل تأكيد إلى حالة انهيار، وموجات نزوح، وهجرات، والمزيد من الجرائم وأكلة لحوم البشر.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر