السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

أندريه فايدا 'مخرج من حديد' يغادر في التسعين

السينمائي البولندي يتميز كعادته بإعادة تجسيد الأحداث، ويختار أكثر المشاهد درامية وواقعية وإقناعا، ويصوّر قسوة تعامل الشرطة السرية مع فاونسا.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/16، العدد: 10426، ص(16)]

أندريه فايدا: حفر لنفسه اسما كبيرا في عالم السينما

مات أندريه فايدا أخيرا. غادرته الحياة وهو في التسعين من عمره، بعد أن أصبح أحد الأعمدة الراسخة، ليس فقط في السينما البولندية، بل في سينما العالم.. سينما الفن الجميل، ولم يترك تأثيره فقط على سائر الأجيال التي ظهرت من بعده في سينما بلاده التي لم يغادرها قط وإن كان قد أخرج أفلاما من الإنتاج غير البولندي في وقت الأزمات، بل على الكثير من المخرجين المتطلعين إلى صنع سينما جديدة مختلفة عن التيار السائد في العالم كله.

أندريه فايدا أحد كبار السينمائيين في عصرنا، وأحد مؤلفي الأفلام بامتياز، بمعنى أنه كان دائما يعبّر من خلال كل أفلامه التي بلغت أكثر من خمسين فيلما، عن رؤيته للعالم، لقضايا بلاده، للتطورات السياسية التي وقعت والتقلبات التي شهدتها بولندا وصولا إلى ذروتها في انتفاضة عمال “نقابة تضامن” عام 1980. وفايدا بهذا الشكل، هو المؤرخ السينمائي لتاريخ بلاده عبر نحو أربعين عاما. لقد عاصر الحرب العالمية الثانية، ثم النظام الشيوعي الذي عمل في إطاره واستطاع رغم كل القيود الرقابية، أن يعبّر بأسلوبه الفني الخلاب، عن أكثر القضايا تعقيدا، بل إن فيلما واحدا له مثل “الأرض الموعودة” (1975) أفضل من قراءة مئة كتاب في الماركسية. ولكنه أصبح فيما بعد من أشد نقاد النظام الذي كان يزعم أنه قام على النظرية الماركسية، بعد أن تناقضت رؤية الفنان الذي يبحث دائما عن الحريّة بلا حدود، ضد الدولة أو السلطة الغاشمة التي تريد من الفنان الانصياع لتوجهاتها الفكرية دون التوقف أمام تساؤلات نظرية وفلسفية، وهو ما رفضه فايدا ونجح دائما في صنع الأفلام التي يرضى هو عنها، الأمر الذي دفع عددا كبيرا من المخرجين البولنديين الذين ظهروا بعده، إلى اتّباع الطريق نفسه.

تتناول معظم أفلام فايدا موضوعات من التاريخ البولندي، والقضايا السياسية التي ارتبطت بالتطورات التي وقعت في بولندا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد سقوط النظام الشيوعي، وقد أثارت أفلامه دائما المناقشات داخل طبقة الأنتلجنسيا البولندية بل وخارج بولندا أيضا، عن الشخصية البولندية، عن مصير بولندا كدولة، إلى أين تتجه، وكيف تمكن استعادة أمجادها الغابرة، كما أدت إلى انشقاقات وخلافات كثيرة متعددة في الآراء حولها.

كان فيلم "رجل من حديد" إعلانا سياسيا مباشرا

اختيارات صعبة

يواجه معظم أبطال أفلام فايدا اختيارات أخلاقية صعبة، في سياق واقع تاريخي محدد: التماثل مع الوضع القائم، أم التمرّد عليه ودفع الثمن، معنى التمرّد، هل هو خيانة الآخرين مع الإخلاص للنفس، أو خيانة النفس والإخلاص للفكرة؟ كان فايدا دائما مشغولا بالبحث عن معنى لدور الفرد في المجتمع، لقيمة الفرد في إطار المجموع، وبقدر ما كانت أفلامه تثير النقاش والخلافات، كانت دائما تثير الإعجاب بجمالياتها السينمائية، بطريقة فايدا وأسلوبه في السرد، في التعبير عن الفكرة من خلال الدراما.

من فيلمه الأول “قنال” (1954) إلى فيلم “دانتون” (1984)، كان فايدا يحيّر نقاده بتعدد أساليبه وطرقه في السرد، فهو لم يكن يلتزم بأسلوب معين، ولذلك كان من الصعب قولبته أو وضعه -ببساطة- في إطار “السينما الحداثية”، أو “الواقعية” أو “الرومانسية”، فقد كانت سينماه تستعصي على هذه التصنيفات، وكان يميل دائما إلى الانتقال من أسلوب إلى آخر، ولكنه كان دائما ما يعبّر عن فكره الشخصي، ورؤيته الخاصة لما يحدث في بلاده بشكل مباشر حينا، وبشكل مجازي حينا آخر. ولكنه كان دوما يحافظ على براعته وقدرته الخاصة على جذب الانتباه، وإثارة الإعجاب أو الغضب.

في عام نشوب الحرب العالمية الثانية (1939)، رفض الجيش البولندي قبول فايدا (المولود عام 1926) جنديا، فالتحق في العام التالي بمعهد لودز الشهير للسينما، وهو المعهد الذي تخرج فيه معظم مشاهير المخرجين البولنديين، ومنهم على سبيل المثال أندريه مونك ورومان بولانسكي ويورجي سكوليموفسكي وكريستوف زانوسي وكريستوف كيشلوفسكي.

كانت بداية فايدا الحقيقية في السينما بفيلمه الروائي الأول “جيل” (1955) وهو الجزء الأول من ثلاثيته الشهيرة عن الحرب العالمية الثانية، فبعده جاء “قنال” (1957) ثم “ماس ورماد” (1958). يعد الفيلم الأول تدريبا على إخراج الأفلام الروائية الطويلة بكل عيوب التجارب الأولى، وكان يصوّر كيف يندمج شاب بولندي في المقاومة ضد الاحتلال النازي ويقع في حب فتاة، سرعان ما تبرز التناقضات بينه بينها. أما الفيلم الثاني “قنال” فهو يصوّر حركة المقاومة البولندية ضد الألمان في شبكة قنوات الصرف الصحي تحت الأرض في وارسو، حيث يذهب بعض ما تبقى من جنود الجيش البولندي الذي دمره جيش هتلر، وأعضاء حركة المقاومة الشعبية تحت الأرض، بعد فشل انتفاضة وارسو الشهيرة عام 1942، ويتابع الفيلم مصائر هؤلاء الأشخاص، ليوحي في النهاية كيف أنّ من كان يتعين عليهم أن يقاوموا، هم من دفعوا الثمن من أعصابهم وحياتهم واستقامة عقولهم. إنه فيلم مذهل في واقعيته التي تصل إلى حد السوريالية.

وفي “ماس ورماد” يصل فايدا إلى مستوى بارز من النضج الفني، ففيه يصوّر بأسلوب أقرب إلى التأثيرية، مأزق البطل الهاملتي، ذلك الشاب الذي ينتمي إلى الجناح القومي اليميني في المقاومة البولندية عندما يطلب منه قتل أحد قادة المقاومة الشيوعية. إنه يقع في غرام فتاة، ويقيم في نفس الفندق الذي يقيم فيه الشخص الذي يفترض أن يقتله، لكنه يقع في حيرة من أمره، بين واجبه، وبين ضميره، لذا يفشل في مهمته وينتهي نهاية تراجيدية.

في عام 1975 أخرج فايدا فيلم “الأرض الموعودة” عن رواية شهيرة للكاتب البولندي فلاديسلاف ريمونت الذي وصفه البعض في حينه بأنه ربما يوازي قراءة كتاب “رأس المال” لكارل ماركس. وتدور أحداث الفيلم في مدينة لودز، في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، ويصوّر الفيلم بدايات ظهور الرأسمالية في بولندا، وهجرة عشرات الآلاف من الأشخاص من القرى والمدن الصغيرة إلى مدينة لودز للعمل في المصانع الجديدة، ينشدون جميعا حياة أفضل في ظل الصعود الواعد للطبقة الجديدة أي “بورجوازية” المدينة الصناعية.

هناك ثلاث شخصيات رئيسية هي: بولندي ويهودي وألماني، وهم على التوالي، مهندس في مصنع، ومضارب في البورصة، وابن صاحب مصنع. والثلاثة أصدقاء يجمعهم حلم واحد هو أن يمتلكوا مصنعا خاصا بهم، ويحققوا الثراء. ويصوّر هذا الفيلم آليات التحول إلى الرأسمالية، ليس على الصعيد الاقتصادي فقط، بل على الصعيد النفسي أيضا: كيف تصبح الأفكار المثالية مبررا لذلك الصراع الشرس الذي سينشأ بالضرورة، على الملكية، مما يؤدي إلى التنكر للمبادئ.

في فيلم "ماس ورماد" بلغ فايدا مرحلة النضج الفني

رجل من حديد

لكن في أوائل ثمانينات القرن العشرين، ومع بروز حركة النضال ضد النظام السلطوي الشمولي في بولندا من خلال ظهور حركة “تضامن” بقيادة ليخ فاونسا، تمكن فايدا في ظل النظام الشيوعي، من إخراج فيلمه الكبير الأول المضاد “رجل من رخام” (1977) وفيه يصوّر كيف تواجه مخرجة أفلام تسجيلية المصاعب مع السلطات بسبب اندماجها في البحث للكشف عن البطل البروليتاري الذي كان مخلّصا للطبقة العاملة في أوائل خمسينات القرن الماضي، واعتبر بطلا عماليا ورمزا من رموز البروليتاريا الشيوعية، ثم ذهب إلى الظل، بسبب دفاعه عن الحريات، ووقوفه في وجه القمع الستاليني، وقد لقي في النهاية مصيرا بالقتل خلال انتفاضة عمال الترسانة البحرية في جدانسك عام 1970.

وفي 1981 يمد فايدا خط معارضته السينمائية البارزة للسلطة الحاكمة بفيلمه الأكثر شهرة “رجل من حديد” وفيه يتناول دور انتفاضة عمال نقابة “تضامن” للمرة الأولى في السينما بوضوح وبشكل مباشر، من خلال ذلك العامل النقابي البطل الذي يقود حركة النضال ضد التسلط والشمولية. هذا الفيلم الذي حصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان، كان بمثابة المانيفستو الثوري السينمائي الذي بث حتمية انتصار “حركة تضامن”. وقد عرض الفيلم قبل أشهر قليلة من فرض الأحكام العرفية وحالة الطوارئ في بولندا، وبعده أخرج، من خلال تمويل فرنسي، أحد أهم أفلامه وهو فيلم “دانتون”.

المجاز السياسي

لم يكن”دانتون” فيلما تاريخيا يسعى لإعادة تسجيل وإحياء أحداث الثورة الفرنسية الكبرى في أواخر القرن الثامن عشر وحفظها على شرائط «السيلولويد» الباردة رغم أن أحداث الفيلم تقع في نفس الزمان والمكان وتتناول أبرز شخصيات تلك الثورة. فقد جاء فيلم فايدا متأثرا بالأحداث السياسية التي وقعت في بولندا والتي وضعت لأول مرة، الطبقة العاملة بأكملها تقريبا، في مواجهة سلطة يفترض أنها الممثل التاريخي لتلك الطبقة.

الصراع في الفيلم هو أساسا صراع فوقي بين جناحين من أجنحة الثورة. بين الذين يرغبون في تجميد الثورة والانعزال بها عن الجماهير وممارسة الحكم اعتمادا على أجهزة بيروقراطية مثل لجنة الأمن العام والشرطة السرية، يلوحون بسيف الإرهاب ضد كل من يخالفهم الرأي، وبين أولئك الذين يرغبون في استمرار الثورة، ولكن من أجل تحقيق أحلام وآمال الجماهير في التغيير مع وضع حدّ لاستخدام سلاح الإرهاب ضد الثوريين أنفسهم لتفادي الإجهاز على الثورة نفسها في النهاية، وإغراقها في بحر هائل من الدماء.

بين قطبي الصراع، يقف الشعب نفسه مستبعدا، متفرجا على الأحداث فقد اختزلت الثورة إلى مجرد رموز، وانشق الأعضاء الموقّعون على “الميثاق العام”، وتحوّلت المحكمة الثورية التي أسسها دانتون، إلى أداة لتبرير الإرهاب، وتلفيق الأدلة ضد الثوريين وعلى رأسهم دانتون نفسه.

“دانتون”ـ فايدا، عمل يرفض النظام المستبد، ويحذّر من استمرار لعبة التصفيات بدعوى حماية أمن الدولة، وينتقد السلطة البيروقراطية التي تتحكم في جهاز الشرطة السرية، ويحذر من الاعتماد على “المقصلة” كأداة للقمع بدلا من الاعتماد على الاستماع إلى مطالب الجماهير. ولكن نظرا لمثاليّاته ورومانسيته، فإنه يرفض مقاومة الإرهاب واللجوء إلى الحركة المنظمة بالرغم من نصائح أصدقائه، بل ويرفض حتى فكرة حماية نفسه من الاعتقال، مفضلا أن يتحول إلى شهيد يلهب مشاعر الأجيال المقبلة.

إن رؤية فايدا لشخصية دانتون على هذا النحو، توجه بوضوح، نقدا لذلك الأسلوب في المقاومة. إنه يصوغ شخصية دانتون بإعجاب، لكنه يصوّر سقوطه وهزيمته كدرس لمن يريد أن يتعلم أصول الصراع السياسي.

في "دانتون" أدان فايدا النظام السياسي بأسلوب مجازي

رجل الأمل

في آخر أفلامه “ليخ فاونسا: رجل الأمل” (2013) يستعيد فايدا تجربته الشخصية في التعاون مع منظمة “تضامن” في ثمانينات القرن العشرين، عندما كان يقوم بدور رئيسي في الترويج لها خلال حملتها ضد النظام القمعي الحاكم، وفيه يعود ضمن سياق سردي شبه تسجيلي-شبه درامي، إلى رواية الأحداث السياسية الساخنة التي أحاطت بتطور حركة الاحتجاج العمالية التي بدأت في أوساط عمال الترسانة البحرية في ميناء جدانسك، ثم امتدت إلى عموم البلاد، وأثمرت ظهور حركة تضامن، وبروز شخصية زعيمها فاونسا، الذي قفزت شهرته فتخطت الحدود، ليحصل على جائزة نوبل للسلام.

يصور الفيلم كيف كان فاونسا -عامل الكهرباء البسيط- يعيش مع زوجته وأطفاله الستة، في شقة ضيقة في جدانسك، وكيف وجد نفسه وقد أصبح زعيما للعمال بل للانتفاضة الشعبية الكبرى التي نجحت بعد عشر سنوات، في الإطاحة بالنظام الشيوعي في بولندا، وأتت بفاونسا نفسه رئيسا للجمهورية.

ويتميز فايدا كعادته بإعادة تجسيد الأحداث، ويختار أكثر المشاهد درامية وواقعية وإقناعا، ويصوّر قسوة تعامل الشرطة السرية مع فاونسا، وكيف كان يتم اعتقاله من حين إلى آخر، وكيف يتعرض للكثير من الضغوط النفسية لكي يوقّع على ما يدينه، بل ويكشف الفيلم أيضا عن الجانب الذي أصبح مثيرا للجدل بشدة داخل بولندا بعد أن أصبح فاونسا رئيسا للبلاد، أي ما أشيع عن تعاونه القديم مع الشرطة السرية في البلاد إبان الحكم الشيوعي، فهو يصوّر كيف أنه بعد انتفاضة جدانسك عام 1970 التي شارك فيها فاونسا وتعرضت للقمع الشديد، أرغم على توقيع وثيقة يتعهّد فيها بالتعاون مع الشرطة، مقابل إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. وهو الأمر الذي جعله يرفض كل الضغوط التي مورست عليه بعد ذلك، خلال زعامته لانتفاضة “تضامن” في 1980، لتوقيع تعهّدات من هذا النوع مهما كلفه الأمر.

قد تكون أفلام فايدا “السياسية” هي الأقرب إلى ذاكرة الجمهور، لكنه صنع أيضا الكثير من الأفلام الرومانسية الناعمة مثل “غابة البيتوليا” (1972) و”قائد الأوركسترا” (1980) ولكن هذا موضوع آخر.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر