الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الصوفية قد تحصن ضد التطرف ولكنها ليست الحل

  • التجربة الصوفية ترتقي فوق الضغائن والأحقاد، ولا تنظر في تعقيدات الحياة وتفاصيلها ضمن العلاقات الأفقية، فهي توق إلى الخلاص والتوحّد مع الكون ضمن حالة روحية تنشد السمو وتهذيب الذائقة الجمالية، والأهم من ذلك كله، أن الصوفية تشكل حصانة ضد العنف والتطرف حين تنأى بنفسها عن التدخل في معتقدات البشر، وتؤمن بأنّ الإيمان حالة فردية وليس سلوكا جماعيا ينزلق نحو التكفير عبر اتخاذه كعمل سياسي.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/17، العدد: 10427، ص(13)]

لا بأس بالصوفية اليوم

الصوفية شيء جمالي أدبي، والنَّاس في الغرب يقرأون لجلال الدين الرومي كما يقرأون جبران خليل جبران لأنه رسولي ورومانسي. العجائز والذين يعانون الوحدة والعزلة يقرأون للراحة النفسية والتطبب، كما أنّ كتب الزن والبوذية واليوغا والصوفية للعلاج في الغرب وليست فكرا حقيقيا.

ربما لا نستطيع في شهرين أن نغير الناس من أشعرية وسلفية إلى صوفية، وصحيح أنّ لدينا خشية من الإسلام السياسي لكن الأمر يحتاج وقتا، ثم إن الكثيرين يقولون ماذا نفعل بالصوفية في القرن الحادي والعشرين، كلها عشق ومقامات ومبالغات لا تصمد عقليا؟

ابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهما، ركزوا في زمانهم على التجربة الروحية ويقول لك “الحال وليس الأقوال” يعني الإيمان تجربة وليس تطبيقا حرفيا للنص، إنّه موضوع شخصي حميمي، وليس سياسيا. لا طاقة للناس اليوم على التجارب الروحية والاعتكاف؟ ويمكن أن تقرأ المثنوي ككتاب أدبي، جماليات وصور شعرية لا أكثر.

مازلت أعتقد بأهمية العلمانية، نحتاج مدارس وجامعات أميركية لكي نهزم الدواعش. هؤلاء حتى لو أُبيدوا ستبقى أشباحهم وأسطورتهم، تبقى صور الفتيان الذين حملوا هذا العناد وساروا فيه حتى تمزقوا، تبقى كلمات الخليفة المشؤوم الذي يقول “فليقاتل واحدكم ولو وحده، منتظرا بالله وعده”. إنّ التحول العلماني وحده قادر على خلق قطيعة ثقافية بيننا وبين هؤلاء المجانين والموتورين.

الصوفية لا بأس بنشرها ودعم شيوخها ومؤسساتها، فهي في النهاية سؤال داخل التاريخ الإسلامي. كيف دخل الناس في دين الله أفواجا؟ وما هذا الإيمان الذي يتلبّسك بمجرد نطق الشهادتين؟

لا بد أنه دين سياسي حربي وليس إيمانا بالمعنى الصوفي. لا بأس بانتشار الإسلام الصوفي بدلا من التوبة ونطق الشهادتين وحمل السلاح وجمع الغنائم، بدلا من مواجهة الغرب والطموح الإمبراطوري. الصوفية سؤال جيد، تحويل الإيمان من أفواج إلى أفراد، من تجربة جماعية إلى تجربة فردية، ومن بيعة وخلافة إلى مقامات وتجربة جمالية أخّاذة.

نحتاج مدارس وجامعات أميركية لكي نهزم الدواعش. هؤلاء حتى لو أبيدوا ستبقى أشباحهم وأسطورتهم

رغم هجائي للصوفيين أحيانا إلا أنهم -وبالرغم من كل شيء- يؤكدون على أن الحياة “سجن”، والحزن الإنساني في الصوفية يأخذ طابعا فلسفيا، فالله بالنسبة إليهم ذلك المحرر العظيم الذي يستطيع استعادة النفس المطمئنة راضية مرضية.

الصوفي يرى أن الله قد نبع من أعماقنا، من لحظة فراقنا عنه، من ذلك الحزن الأول وبكاء الوليد وهو يخرج من بطن أمه.

إنه يرى أن الإنسان محكوم بالخسران لأنه سجين تائق إلى أصله الإلهي، كادح إلى ربه كدحا فملاقيه، كما أنه يستخدم جاذبية خاصة هي “النجوى” بدلا من الحماسة.

الصوفي يتحدث عن وجع الوجود أو كما يقول محمود درويش “وجع الحياة”.. ربما الحياة سجن ولكنها كل ما نملك، ولا جدوى من التشاؤم وهجاء الحياة بل ينبغي تمجيدها وتعظيمها، وهذا هو الخلاف مع الصوفي الذي يرتبط اتجاهه بالزهد.

الصوفي يعاند ويقول ألا تذكر حين خذلتك الحياة، وكنت تجلس في الحدائق لتموت تحت المطر، ولما قالت لك العجوز اليونانية لماذا لا تموت في بيتك؟ قلت إنك تخاف ألا يشعر بك أحد. لقد كنت وحيدا، وقلت في الليل إنك قد اكتشفت في انكسارك الرهيب أن لك “قرينا“.

لقد أنقذتك الكتب الصوفية يومها ومسحت دموعك بردائهم. وألهموك حتى أصغى إليك أهل القرى، ألا تتذكر المخاطبات للنفري، لعلك مفتون ومصاب بالنسيان.

لا يطالب الصوفيون بمديحك ولكن لا تكسر السراج الذي أضاء لك الطريق حين انطفأت كل المصابيح. لا تبصق على المحبة التي صارت كلمة ومنحناك إياها إن كنت من العارفين.

ولنتذكر حديث جلال الدين الرومي عن فرعون. لقد بحث هذا الأحمق في كل مكان وعدوه كان في بيته، كان يطعمه ويحمله بين ذراعيه، حتى اشتد ساعده وقتله. إن نظر الإنسان يعاني الكثير من العلل، ولهذا نحتاج صوفية أحيانا خصوصا في الفترات الصعبة.

كل شيء في هذا العالم “ظاهره الرحمة وباطنه العذاب”. لا تشتم الصوفيين إذا فرشوا لك رداءهم وحين أُسقطَ في يدك جعلوا يدك فوق أيديهم.

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر