الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

محمد السادس نبض الشارع المغربي…

هل هناك أهم من أن يشعر كل مغربي بأن بلده هو المكان الآمن الوحيد الذي يستطيع العيش فيه أو العودة إليه في كل وقت وكل ظرف؟

العرب خيرالله خيرالله [نُشر في 2016/10/17، العدد: 10427، ص(8)]

ليس هناك بديل من الصراحة والمصارحة بين الملك محمّد السادس والشعب المغربي. قبل شهرين وأسبوع من الانتخابات النيابية التي أجريت في السابع من تشرين الأوّل- أكتوبر الجاري، قال العاهل المغربي مباشرة في خطاب “عيد العرش” يوم الثلاثين من تمّوز- يوليو الماضي، إنه على مسافة من كلّ حزب من الأحزاب، وإن “حزبي الوحيد هو المغرب”.

أظهرت النتائج أن محمّد السادس كان يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. وضع الأحزاب أمام مسؤولياتها، كما وضع الناخب المغربي أمام مسؤولياته. أراد القول بكل بساطة إن المنافسة هي بين برامج حزبية، وإن على الناخب استخدام عقله والاختيار بين هذه الأحزاب.

فاز من فاز في الانتخابات وتراجع من تراجع. استطاع “حزب العدالة والتنمية” ذو الميول الإسلامية الحصول على أكبر عدد من المقاعد. نال 125 مقعدا من أصل 395. حل ثانيا “حزب الأصالة والمعاصرة” الذي يدعو إلى دولة مدنية. حصل على مئة مقعد ومقعدين.

وهذا جعل منه النجم الصاعد في هذه الانتخابات وقوة قادرة على مراقبة العمل الحكومي، كما يحصل في الديمقراطيات العريقة. توزّعت المقاعد الأخرى على أحزاب مختلفة من بينها حزب قديم هو الاستقلال الذي حلّ ثالثا.

بعد أقل من اثنتين وسبعين ساعة من إعلان نتائج الانتخابات، كلّف محمّد السادس زعيم “العدالة والتنمية” عبد الإله ابن كيران تشكيل حكومة جديدة، وذلك تطبيقا لدستور العام 2011 الذي أقرّ في استفتاء شعبي. لا شكّ أن الحزب الإسلامي، الذي يصرّ قادته على أنه لا ينتمي إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، استفاد كثيرا من أنّه حزب منظم وأنّ لديه قاعدة ثابتة.

استفاد هذا الحزب خصوصا من أن نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع لم تتجاوز الـ43 في المئة. وهذا يعني أن هناك تقاعسا لدى الأحزاب الأخرى ولدى النخب المغربية عن الارتقاء إلى مستوى التجربة التي تمرّ بها المملكة منذ إقرار الدستور الجديد الذي كرّس التعددية الحزبية.

اختار محمّد السادس افتتاح الدورة الأولى للمجلس النيابي الجديد، حيث ستتحالف أحزاب في ما بينها من أجل تمكين ابن كيران من تشكيل الحكومة المقبلة، للإشارة إلى أنّ هناك مشاكل يعاني منها المغرب.

لا وجود لإصلاحات من أجل الإصلاحات، بمقدار ما أنّ المطلوب التطوير المستمرّ لهذه الإصلاحات من اجل خدمة المواطن. هناك حلقة ناقصة في الإصلاحات مطلوب التنبّه إليها.

فقد افتتح العاهل المغربي خطابه بالقول “إن افتتاح السنة التشريعية ليس مجرد مناسبة دستورية للتوجه إلى أعضاء البرلمان، وإنّما هو منبر أتوجّه من خلاله في الوقت نفسه للحكومة وللأحزاب ولمختلف الهيئات والمؤسسات والمواطنين، كما أنّه أيضا لا يشكّل فقط فرصة للتوجيه والنقد أحيانا بخصوص العمل النيابي والتشريعي، بل هو منبر أستمع من خلاله لصوت المواطن الذي تمثلونه”.

كان العاهل المغربي بالفعل صوت المواطن المغربي في افتتاح الدورة التشريعية الأولى لمجلس النّواب الجديد. نقل إلى المجلس ما يعاني منه المواطن وما هي همومه الحقيقية. على المجلس، باختصار، العمل على تسهيل حياة المواطن.

قال محمّد السادس صراحة “لو كانت الإدارة تقوم بواجبها في خدمة المواطنين وتبسيط المساطر (المعاملات) لما لجأ المواطنون إليّ في عدد كبير من الحالات”.

ذكّر النواب بأنّ “دور البرلمانيين خدمة المواطنين وليس البحث عن خدمة المصالح الشخصية”. كذلك، ذكّر بأنّه أعطى توجيهات صارمة إلى الحكومة بالعمل على إنهاء حال التسيّب التي تعرفها الإدارة، كما دعا إلى تعويض عادل بالأسعار المتداولة للمواطنين الذين تُستغل أراضيهم للمنفعة العامة.

لم يتردّد محمّد السادس في التشديد على أهمّية “علاقة المواطن بالإدارة”، حتّى في ما يخص الأمور البسيطة. بالنسبة إليه، تبقى “النجاعة الإدارية معيارا لتقدّم الأمم.

وما دامت علاقة الإدارة بالمواطن لم تتحسّن، فإنّ تصنيف المغرب في هذا الميدان سيبقى ضمن دول العالم الثالث، إن لم أقل الرابع أو الخامس”.

تساءل العاهل المغربي “هل سيطلب منّي المواطنون التدخل لو قامت الإدارة بواجبها؟ الأكيد أنّهم يلجأون إلى ذلك بسبب انغلاق أبوابها أو لتقصير الإدارة في خدمتهم أو للتشكي من ظلم أصابهم”.

في حال كان لا بدّ من اختصار ما ورد في خطاب محمد السادس، كلّ ما يمكن قوله إنه أراد إبلاغ النواب وكلّ من يعنيه الأمر أن الإصلاحات السياسية، بما في ذلك “تثبيت التعددية الحزبية” لا يعني الانصراف عن معالجة المشاكل التي تعاني منها المملكة والمرتبطة بالإدارة التي يفترض أن تكون في خدمة المواطن بدل أن تكون منفّرة له.

كذلك على هذه الإدارة المساهمة في تطوير الوضع الاقتصادي عبر تسهيل الاستثمارات أكانت من المغاربة أنفسهم أو من المغتربين أو من الأجانب.

باختصار، لا يمكن تطوير قطاع معيّن مثل الحياة السياسية والحزبية والعمل الحكومي بشكل عام من دون تطوير للإدارة. كان على الملك تذكير النوّاب بذلك من دون أن يتجاهل الإيجابيات التي تحققت، خصوصا في مجال تحقيق المشاريع الكبيرة “التي غيّرت وجه المغرب”.

كان مطلوبا تذكير النوّاب بأنّ هدفهم لا يمكن أن يقتصر على خدمة مصالحهم الشخصية ومصالح الأحزاب التي ينتمون إليها. هناك ما هو أهمّ من ذلك بكثير.

المواطن المغربي هو المقصود، عبر إدارة حديثة ومتطورة. خدمة هذا المواطن هي الهدف وليس المماحكات والتجاذبات والمزايدات بين الأحزاب والعمل على تقاسم السلطة والنفوذ بغية تحقيق أهداف ذات طابع شخصي لا أكثر.

من المفيد أن ينتهز محمّد السادس كلّ مناسبة لتأكيد أنّه نبض الشارع المغربي، وأنّه يعرف تماما ماذا يدور في الشارع وما يشعر به المواطن حقيقة. ليس كافيا تطوير الحياة السياسية.

وليس كافيا أن يعمل كلّ حزب على تطوير نفسه. وليس كافيا تنفيذ مشاريع كبيرة في كلّ أنحاء المغرب.

وليس كافيا خلق فرص عمل جديدة. كلّ هذه الأمور مهمّة، بما في ذلك الاهتمام بتطوير التعليم وضمان حقوق المرأة ومتابعة الحرب على الفقر وحماية الحريات الفردية وضمانها.

لا بدّ أيضا من جعل الإدارة المغربية، في ظل اللامركزية الموسّعة، إدارة صديقة للمواطن. مثل هذه الإدارة الصديقة تجعل المواطن، أكان مقيما أو مغتربا، أكثر تعلّقا ببلده ومؤسساته.

مثل هذه الإدارة تجعل المستثمر الأجنبي يقبل على المغرب ولا يبتعد عنه. هل هناك أهمّ من أن يشعر كلّ مغربي بأنّ بلده هو المكان الآمن الوحيد الذي يستطيع العيش فيه أو العودة إليه في كلّ وقت وكلّ ظرف؟

إعلامي لبناني

خيرالله خيرالله

إعلامي لبناني

:: مقالات أخرى لـ خيرالله خيرالله

خيرالله خيرالله

إعلامي لبناني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر