الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

هولاند يقفز إلى اليمين

تصريحات هولاند الجديدة تعبير صريح عن الأزمة التي يجتازها اليسار الفرنسي والأوروبي في الأعوام الأخيرة، بسبب فقدانه للقيم المشتركة التي كان يؤمن بها في الماضي، وعدم قدرته على تجديد تلك القيم.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/10/17، العدد: 10427، ص(8)]

قبل أشهر نشرت مجلة “النقاش” الفرنسية حوارا مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قال فيه “إن الهوامش بين اليمين واليسار تظل أساسا للديمقراطية”، وقد كان يعني بذلك أن الديمقراطية الفرنسية تتسع للتيارين معا، وأن لا ديمقراطية من دون تبادل وجهات النظر بينهما. ولكن ذلك الكلام يمكن النظر إليه من زاوية أخرى، وهي أن الهوامش بين اليمين واليسار تظل ضيقة وتتيح التنقل والقفز بينهما بحسب الظروف السياسية وإكراهات السلطة.

التصريحات الأخيرة التي تم الكشف عنها، والتي تصدر ضمن كتاب يتضمن حوارات مع الرئيس الفرنسي أجراها صحافيان من يومية “لوموند”، حول الإسلام والهجرة والحجاب، تبين بوضوح أن هولاند بات يشعر بقوة الضغط الذي تمثله استطلاعات الرأي حول صورته لدى الرأي العام الفرنسي، والتي نزلت إلى أدنى مستوى لها خلال العام الأخير، قبل أشهر من إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة، بسبب عدم وفائه بالوعود التي قطعها منذ انتخابه عام 2012، وتزايد معدل البطالة وتردّي وضع الطبقة العاملة، والفشل في ضمان الأمن أمام تعدد الهجمات الإرهابية.

لقد صرح بأن مشكلة فرنسا هي مع الإسلام، وأن البلاد استقبلت أكثر مما هو ممكن من أعداد المهاجرين، وقال إن “المرأة المحجبة اليوم ستكون ماريان الغد (ماريان هي الشعار الوطني للجمهورية الفرنسية)، وإذا توصلنا إلى أن نوفر لها ظروفا للتفتح فستتحرر من حجابها وتصبح فرنسية”.

وتشكل هذه التصريحات انقلابا على تصريحات هولاند التي أدلى بها في مناسبات سابقة، بل في أوقات صعبة مرّ بها المجتمع الفرنسي، كتفجيرات باريس في نوفمبر من العام الماضي ومجزرة نيس في يوليو من هذا العام، حيث كان الرئيس الفرنسي يحرص على التذكير بقيم الجمهورية الفرنسية والتعددية وثقافة الهجرة التي صنعت أمجاد فرنسا، والتمييز بين الإسلام كدين لأكثر من مليار نسمة والتطرف والإرهاب.

وخلال تلك المواقف كان هولاند يحاول النأي بنفسه عن مواقف اليمين المتطرف الذي يسعى إلى إشعال فتيل الأزمات بالاتكاء على أعمال إرهابية تقوم بها فئة معزولة، ليس داخل المجتمع الفرنسي فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي بوجه خاص.

ينبع التخوف من تلك التصريحات الجديدة، التي أسالت مدادا كثيرا في فرنسا وخارجها واستغلها اليمين المتطرف، من أن تكون هي المعبر الحقيقي عن المواقف الدفينة غير المعلنة لجزء من النخبة الفرنسية بوجه عام، ونخبة اليسار بوجه خاص.

فهي في جزء منها تعبير صريح عن الأزمة التي يجتازها اليسار الفرنسي والأوروبي في الأعوام الأخيرة، بسبب فقدانه للقيم المشتركة التي كان يؤمن بها في الماضي، وعدم قدرته على تجديد تلك القيم والتبشير بها في أوساط الرأي العام.

وتنهض الأزمة التي يمرّ بها اليسار الاشتراكي في أسبانيا نموذجا ساطعا، حيث سجل الحزب الاشتراكي العمالي، أبرز أحزاب اليسار في البلاد، تراجعا انتخابيا كبيرا، ما أدّى إلى انقسام داخله قاد إلى استقالة رئيسه بيدرو سانشيز نهاية الشهر الماضي.

تخدم تصريحات هولاند نوعين من اليمين المتطرف الذي يسعى إلى هدم قيم التعايش والانفتاح والتسامح الديني والثقافي، اليمين الفرنسي الذي سيتغذى كثيرا من نشر تلك التصريحات ويعمل على تسويقها بوصفها دليلا على مصداقية وجهات نظره من القضايا المطروحة في الساحة الفرنسية، ثم التطرف الإسلامي الذي سوف يجد بالتأكيد في تلك التصريحات ما يسند دعاواه بوجود حرب صليبية ضدّ الإسلام. ويكمن التخوف أكثر من أن تكون تلك التصريحات مقصودة بحيث يحاول بها هولاند استمالة أصوات من اليمين المتطرف في الاستحقاق الانتخابي المقبل، وقد جرّب هذه الوصفة سلفه نيكولا ساركوزي حين عزف على وتر “الهوية الوطنية الفرنسية” التي تمثل رهانا لليمين المتطرف، للحصول على الأصوات الانتخابية.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر