الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

موسم الهجرة الداعشية إلى تونس

صحيح أنّ داعش غادر سرت وانسحب من مناطق ليبية عديدة، ولكن الأصحّ أنّ تبديل الاستراتيجيات والتكتيكات والتحالفات لا يعني أبدا اضمحلال التنظيم وتلاشيه.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/10/18، العدد: 10428، ص(9)]

24 ساعة فصلت بين إعلان وزارة الدفاع البريطانية إيفاد 40 مستشارا عسكريا إلى تونس لتدريب مجموعة من القوات العسكرية التونسية، وبين سيطرة ميليشيا مسلحة على مؤسسات رسمية ليبية من بينها التلفزيون العمومي حيث أذاعت بياني الانقلاب على اللادولة واللاسلطة في ليبيا اليوم.

قد لا تكون العلاقة بين الحدثين سببية من حيث الزمان والمكان، ولكنّها بالتأكيد ترابطية بشكل وثيق اعتبارا للتراكمية القائمة بين حكم الميليشيات في ليبيا وفي العاصمة طرابلس بالتحديد وتوظيف التنظيمات التكفيرية وعلى رأسها داعش لحالة نصف الدولة نصف الفوضى الحاكمة في ليبيا. إذ من الواضح أنّ مأسسة الفراغ وتأبيد الانقسام يمنحان لداعش المجال للتوسّع الجغرافي وفرض سياسة الأمر الواقع في المزيد من الجغرافيا الليبية، وتهديد المجال الإقليمي المتاخم بشكل أوسع.

استطاع داعش أن يفرض المعادلة العسكرية وحتّى العشائرية والقبلية في العراق عقب مأسسة الصراع السياسي في البلاد على أسس طائفية، كما تمكّن من الاستيلاء على أجزاء واسعة من الفضاء السوري بعد المكاسرة السياسية في البلاد على وقع الاختلافات المحلية والإقليمية والدولية، وهو اليوم يمتدّ في مجال شمال أفريقيا متغذيا من الاستعصاء الليبي أوّلا، ومن المقاربة الغربية الضيقة في معالجة قضايا الهجرة غير الشرعية ثانيا، ومن الاستمرار في سياسة اللامغرب العربيّ ثالثا.

تصريح وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون حيال قرار إفادة المستشارين العسكريين الأربعين إلى تونس، يحمل في طياته مقدمات وإرهاصات تطوّر عسكري إرهابي في المغرب العربي بشكل عامّ وفي تونس بالتحديد.

ذلك أنّ دولة كبرى مثل بريطانيا لا تُقدم على خطوات تعزيز التعاون العسكري مع أي دولة كانت إلا عقب عمل استخباراتي دقيق للنشاط الإرهابي في مجمل المنطقة سيما وأنّ جهاز المخابرات 6IM يمثّل واحدا من أهمّ الأجهزة الاستخباراتية في مجال العمليات الإرهابية في العالم.

إشارة فالون إلى حرص بريطانيا على الحيلولة دون انتشار مقاتلي داعش في تونس وتهديدهم لأمنها الوطنيّ وتأكيده أيضا أنّ التدريب الذي سيشمل 200 جندي تونسي سيركّز على تعزيز أمن الحدود التونسية ووقف انتشار داعش بمحاذاة الساحل، يكشف أنّ الجهد الدولي المعلن لاستئصال داعش، ولتحييده صلب مجال مكاني ولوجستي محدّد باءا بالفشل.

صحيح أنّ داعش غادر سرت وانسحب من مناطق ليبية عديدة، ولكن الأصحّ أنّ تبديل الاستراتيجيات والتكتيكات والتحالفات لا يعني أبدا اضمحلال التنظيم وتلاشيه.

كما أنّ القراءة الاستباقية الغربية الموضوعة لداعش كتنظيم إرهابي قادر على زعزعة الحدود البرية للدول، تؤكّد أنّ داعش الذي عجز جزئيا عن أن يكون إدارة تنظيمية على هيئة دولة إسلامية مزعومة لن تضيره العودة إلى الكينونة البكر الكامنة في تنظيم زئبقيّ يوظّف الذئاب المنفردة أكثر من الهياكل التراتبية القائمة وفق منطق “الفصائل العنقودية” في أدبيات المجموعات الإرهابية.

المفارقة التاريخية أنّه في ذات الظرف الذي تعلن فيه الحكومة المركزية في بغداد برئاسة حيدر العبادي بداية معركة تحرير الموصل، وفي ذات الوقت الذي تؤكد خلاله واشنطن وأنقرة وموسكو بداية التحضير لخوض حرب استعادة الرقة، تستعد فيه لندن لتطور عسكري إرهابي في المنطقة المغاربية وفي تونس بالتحديد، ما قد يسمح بقراءة تفكيكية قوامها تدشين موسم عودة الإٍرهابيين التونسيين إلى وطنهم بعد أن أتموا تقريبا كافة مخططات الغرب والقائمة على تفتيت الجيوش الوطنية واستيلاد الدولة الكردية في الشمال السوري والعراقي، وإدخال المنطقة في صراع طائفي ومذهبي مستنزف ومستهدف في آن واحد، ودعم الأمن القومي الإسرائيلي لعقد من الزمان على الأقلّ.

لبريطانيا الحق في تمثّل أمنها القومي وفي استجلاء المشهدية العسكرية ضدّ داعش، ولكن من حقنا في تونس أن نتساءل عن قدرة النموذج العسكري البريطاني في الحيلولة دون الخطر الإرهابي في العراق أثناء الغزو وبعده، وفي أفغانستان أثناء الغزو وبعده، وعن مدى الانخراط البريطاني في الرقص مع الذئاب الداعشية في سوريا وليبيا مرة تحت عنوان الثورة الشعبية وأخرى تحت مسمى ضرب المجال الاستراتيجي الروسيّ.

من حقّ تونس أن تحارب الإرهاب بنماذج عسكرية ناجحة، لا أن تستنسخ أمثلة أثبت التاريخ أنّها جيوش تحمل السلاح في اليد اليمنى، وتذكرة الهروب من المعركة في اليد اليسرى.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر