الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الكاتبون للآخرين والأخريات

مفهوم طبعا أن الحاكم يمكنه أن “يكلّف” كاتبا ما بكتابة خطاباته، ولكنه يحب عادة أن يقنع سامعيه بأنه يكتب خطاباته بنفسه، رغم أنه يبدو أحيانا وكأنه لا يفهم الكثير مما يرد في سياق تلك الخطابات.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/19، العدد: 10429، ص(16)]

لا يكتب كبار القادة والحكام والمسؤولين خطاباتهم أو كلماتهم الموجهة لعموم الناس، بل دائما هناك كتاب متخصصون توكل إليهم هذه المهمة، فالكتابة ليست مهنة الحكام، خاصة إذا كانوا -بتعبير أحمد فؤاد نجم- مجموعة من “الأومباشية”.

كان جمال عبدالناصر رغم ما بذله من جهد في شبابه لتثقيف نفسه سياسيا يعرف أن مواهبه لم تكن تشمل الكتابة، فكان يعهد بكتابة خطاباته إلى الكاتب محمد حسنين هيكل.

أما أنور السادات فقد لجأ إلى موسى صبري بعد خلافه الشهير مع هيكل، وعندما كان “يخرج عن النص”، أي يرتجل في الخطابة، كان يقول أشياء تجعل الناس يموتون من الضحك بسبب سذاجتها، لذلك كان المصريون يقولون إن ناصر “جعلنا نموت من الخوف، أما السادات فيجعلنا نموت من الضحك”.

مفهوم طبعا أن الحاكم يمكنه أن “يكلّف” كاتبا ما بكتابة خطاباته، ولكنه يحب عادة أن يقنع سامعيه بأنه يكتب خطاباته بنفسه، رغم أنه يبدو أحيانا وكأنه لا يفهم الكثير مما يرد في سياق تلك الخطابات.

ذات مرة أخذ الرئيس السادات يردد في خطاب له كان قد كتبه له هيكل قبل أن يقع الفراق بينهما، كلمة إنكليزية هي “كاتاليست” ويعيد ويزيد فيها، وكلما حاول أن يشرحها ارتج عليه الأمر، وقال كلاما لا يبدو أنه يدركه تماما، فكان يقول إن الكلمة “معناها العامل المساعد أو شيء من هذا القبيل” ثم أردف “واحنا والله ما في عندنا عامل مساعد ولا كاتاليست”.

وكانت الكلمة قد وردت على لسان مسؤول أميركي هو وليم سكرانتون مساعد وزير الخارجية، روجرز، عندما كان يعرض استعداد بلاده للقيام بدور الوسيط أو الـcatalyst في حل أزمة الشرق الأوسط عام 1971.

أصبح خطاب عبدالناصر الذي أعلن فيه تنحيه عن الحكم بعد هزيمة 1967 مقررا في العام التالي على طلاب الثانوية العامة، يدرسونه كلمة كلمة، كمثال على البلاغة اللغوية، باعتبار أن عبدالناصر كاتبه وصاحب أسلوبه البليغ بالطبع، أما خطاب السادات فقد تحول إلى “نكتة” يرددها طلاب الجامعات الغاضبون وقتها على سياسة اللاسلم واللاحرب.

في مجال النقد ظهر فجأة خلال الفترة القصيرة الأخيرة، عدد من “الناقدات السينمائيات”، دون أن تتوفر لديهن موهبة الكتابة، فمعظمهن يأتين إلى مجال السينما انبهارا بعالم النجوم والمشاهير، وعندما تكون الطموحات أكبر كثيرا من القدرات يظهر على الفور “عامل مساعد”، جاهز لتقديم خدماته لهذه الكاتبة المبتدئة أو تلك، بل والنشر لهن أيضا، والمساهمة في تلميع صورهن تحت إغراء “السلطة الناعمة” بالطبع.

ولأن الكتابة اليومية أو الأسبوعية إلى جانب الكثير من الأعباء الأخرى قد تستغرق الكثير من الجهد والوقت، فقد أصبح من يكتبون لبعض الكاتبات في الصحف المصرية، حكومية كانت أم معارضة، يلجأون أحيانا، من أجل اختصار الوقت، إلى السرقة من مقالات الآخرين، أو اقتباس عبارات مما ينشر في مقابلات صحافية مرتبة ومنظمة مع كاتب أو ناقد يعرف عادة ما يقول ويحسبه بالكلمة والمسطرة، ثم يضعونها في المقالات المنسوبة إلى هذه الكاتبة أو تلك.

وعندما تضبط صاحبة السرقة بفعلتها متلبسة، تبكي وتنوح، وتقسم لك أنها لا تعرف كيف وقع ما وقع، وأنها لم تكن تقصد السرقة، وأنها فقط من “تلاميذك ومعجبينك”.. والحقيقة أنها لم تسرق شيئا، بل وأغلب الظن أنها لم تقرأ ما كتب باسمها، فما يهمها أساسا هو تكرار ظهور الاسم حتى تزداد نفوذا وتأثيرا.

ويحضرني في هذا المجال ما كتبه كاتب ساخر في التعليق على هذه الظاهرة، حينما قال “عهدي بمن يكتبون للآخرين، أنهم لا يكتبون بجودة عالية، حتى وإن كانوا كتابا كبارا يكتبون لكتاب كبار، فضلا عن أن من يكتب للغير سرعان ما يصاب بالملل، ولا سيما إذا كانت «المكتوب لها» ليست لها سلطة، ربما سلطة واحدة، إن وجدت، ونحن قوم نتميز بالملل”.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر