الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

جائزة للتجاوز

نوبل برغم كل المؤاخذات السياسية والثقافية على اختياراتها استطاعت دوما أن توجه النظر والذوق الأدبيين، وأن تخلق سجالا بكنه جمالي وأخلاقي.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/10/19، العدد: 10429، ص(15)]

يسهل الإقرار بالقيمة العاطفية والثقافية التي يمثلها بوب ديلان لأجيال من محبي موسيقاه واختياراته الشعرية، كما يسهل تصنيفه في خانة الإبداع الملتزم بقضايا الناس والمنتصر لهمومهم، ما في ذلك شك، لكن كم هي الأشكال التعبيرية التي مثلت ظواهر إبداعية وانحازت لقضايا الناس عبر العالم؟ لا يعني ذلك أن منحه نوبل للآداب، هذه السنة، بعد خفوت شعبيته الفنية الباهرة، ضرب لقيمة جائزة لا يضرها كثيرا تشكيك المشككين. والحال أنه يجب الاعتراف، أيضا، بأن الأمر لا يستقيم إلا إذا اعتبرنا فهمنا “للآداب” بمعناها الحديث والمعاصر، على الأقل، بات سطحيا و متجاوزا، خصوصا في دائرة تداول بدأت تضيق على الأساليب الكلاسيكية للأدب، وتبدي تململا ملحوظا من النوازع المحافظة للإبداع ضمن قوالب لم تعد تصنع الذوق العام للأدب، الذي يتوخى منه مريدوه أن يكون بمفعول انقلابي وصاحب قدرة على الانتشار بين الطبقات واللغات والثقافات، وأن يستطيع أولا وأخيرا أن يحول حياة الناس ويمنحهم حساسية جديدة تجاه حاضرهم ومصيرهم.

والظاهر أن وضع الأكاديمية السويدية لبوب ديلان ضمن قائمتها المبجلة، لم يكن زيغا اقتحاميا بالنحو المتصور، طالما تعلق الأمر، في النهاية، بمسار شاعر، صنفته عشرات الأدبيات القادمة من قلاع الأكاديمية صاحب موهبة شعرية وموسيقية متفردة استطاعت التغلغل في وجدان جمهور الفن والأدب عبر العالم لعقود طويلة، أدبيات لم يكن آخرها كتاب أكسفورد عن الشعر الأميركي الذي اختار بعض أعماله بوصفها من العلامات الخالدة للقرن العشرين. لقد كانت الجائزة منسجمة مع منطقها في اقتراح رمزيات راسخة وعميقة الأثر وصادمة للقناعات النهائية حول الأدب، وحول جدوى هذا الأدب، تجاه إنسانية تتخلى تدريجيا عن أساطيرها الكبرى لصالح سرديات جديدة تصنع سلطتها من صلب هامشيتها الظاهرة.

وفي النهاية لن يكون منح بوب ديلان نوبل للآداب مفاجأة أكبر من منحها لونستون تشرشل قبل عقود عن مجموع خطبه السياسية، ولا لداريو فو الذي تمثل حياته فوق الخشبة وحدها حكاية جديرة بالتبجيل، ولا حتى لسفيتلانا أليكسيفيتش، التي لم تكتب مسرحا ولا رواية ولا شعرا وإنما تحقيقات صحافية تسلط الضوء على بؤر التوتر في العالم. صحيح أن اختيارهم يشوش على تقليد أدبي ما فتئ يقدم للجمهور مواهب فذة وأعمالا خالدة، وصحيح أيضا أن أسماء مثل: جودي بيكولت وفيليب روث وسلافوي جيجيك وغيرهم، لن يحظوا يوما بجائزة خارج نطاق الأدب لتكريم جهودهم، إنما الشيء المؤكد أن نوبل برغم كل المؤاخذات السياسية والثقافية على اختياراتها استطاعت دوما أن توجه النظر والذوق الأدبيين، وأن تخلق سجالا بكنه جمالي وأخلاقي، وهو ما عجزت عنه جوائز متفرقة عبر الثقافات المحلية التي لم تتخط ما تستثيره من النقاش حدود النميمة البلهاء.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر