الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

غضب واسترضاء

مقولة إن داعش يعبر عن الإسلام الغاضب، ستجعلنا نبرر كل تاريخ الدم الذي مرّ على المسلمين منذ أكثر من 1400 عام، منذ اغتيال الخليفة الثاني وصولا إلى آخر طفل سقط قتيلا دون ذنب في العراق أو سوريا أو ليبيا أو اليمن أو أفغانستان.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/10/19، العدد: 10429، ص(24)]

لا أعرف ماذا كان يعني أحد قادة تيار الإسلام السياسي بقوله إن الإسلام في حالة غضب، وأن داعش يعبر عن الإسلام الغاضب، فما نعرفه أن الإسلام دين سماوي، وهو آخر الأديان بمعنى أنه يختزل حكمة العلاقة بين الأرض والسماء في رابطة روحية وقيمية وأخلاقية لا تتأثر بالمشاعر الطارئة كالغضب والاندفاع والتشنج، بل أننا نحن بسطاء القوم نرى دائما أن الدين أجلّ من أن ينخرط بطبيعته الاعتبارية في وضعية البشر العاديين، أو أن يهبط من منزلته العلوية المقدسة إلى مستوى عباد الله الضعفاء، فيتاجرون به، ويتلاعبون بثوابته، ويبررون به أخطاءهم وخطاياهم، ويسعون به إلى تحقيق أهدافهم الدنيوية وخاصة إذا ارتبطت بأم الملذات: السلطة.

ونظرا لمكانة صاحب الرأي القائل بأن الإسلام في حالة غضب، والتي يفترض أنها رفيعة، صار علينا أن نخاف من تنويعات أخرى في هذا الاتجاه، كأن يكون الإسلام في حالة خوف أو جوع أو ظمأ أو فقر، لأن غضب الإسلام مثلا ومهما كان عاصفا، لا يبرر بيع النساء اليزيديات في أسواق النخاسة، ولا الدفع بالأطفال إلى تنفيذ عمليات الإعدام في الساحات العامة، ولا إلى تدمير التراث الإنساني، أو سرقة النفط والمتاجرة بالآثار، أو الترويج لجهاد النكاح، أو اقتحام البيوت الآمنة وترويع ساكنيها، أو هدم بيوت العبادة التابعة لأصحاب الديانات الأخرى.

كما أن الإسلام عندما يغضب، لا يعني أن يدفع بأتباعه إلى أن يكونوا سببا لخراب العمران حيثما حلوا، ولا أن يتحول علماؤه ودعاته إلى محرضين على القتل والذبح وتدمير الدول وتمزيق المجتمعات بل إن غضب الإنسان، وهو الإنسان، لا يبيح الظلم ولا الغدر ولا الخيانة ولا الكذب ولا النهب ولا ارتكاب الفواحش، فما بالك بالأديان التي من المفروض أنها تنهى عن كل ذلك، وتعد مرتكبيه بسوء الخاتمة في الدنيا والآخرة.

إن مقولة إن داعش يعبر عن الإسلام الغاضب، ستجعلنا نبرر كل تاريخ الدم الذي مرّ على المسلمين منذ أكثر من 1400 عام، منذ اغتيال الخليفة الثاني وصولا إلى آخر طفل سقط قتيلا دون ذنب في العراق أو سوريا أو ليبيا أو اليمن أو أفغانستان، بأنه ضحية غضب الإسلام عبر مراحل مختلفة، وبالتالي لن نتحدث عن حالة تطرف أعمى أو عن ثقافة إرهاب تكفيري أو جهل بالقيم المحمدية أو عن صراع على السلطة والمصالح والنفوذ، أو عن زنادقة وخوارج وحشاشين ودواعش وقاعدة وإخوان وجماعات تحترف تسييس الدين لخدمة أهدافها.

وفي الواقع أن صاحب المقولة، وإن كان جانب الصواب في تبرير الحالة، إلا أنه لم يخرج من دائرة حرفيته في تفسير الإسلام وحالاته بما تقتضيه المصالح والحسابات، فهو وباعتباره إخوانيا أصيلا، نطق علنا بما يقوله عادة في لقاءاته مع المسؤولين الغربيين من أن الإرهاب ناتج عن حالة غضب تتطلب الاسترضاء، وأن حالة الغضب تتعلق بالإسلام رأسا، أما الاسترضاء المأمول فيكون عبر التمكين للإخوان، كونهم يستطيعون استقطاب واحتواء بقية أطياف الإسلام الغاضب، وهنا مكمن الغاية من ذلك التصريح.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر