الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

الراقصون في عرس أمهاتهم أمام الموصل

نحن لسنا في سعادة بالتحرير بل في قلق شديد. معظم المثقفين الشيعة يشاركوننا القلق على المدنيين، فالتحرير أشبه بعملية جراحية لاستئصال ورم خبيث من الموصل، وليس فرحة ولا عيدا.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/20، العدد: 10430، ص(8)]

بعد صمت طويل ظهر إصدار داعش بعنوان “معركة الموصل” قبل يومين. دبابتان تقفزان فوق تلة ترابية، ومدرعة جديدة عملاقة بها 8 إطارات جدد تدخل في نهر وتخرج منه. وكأنهم يريدون بيعها أكثر مما يخيفون بها عدوا. الإطارات تلمع ويبدو أن المصور تاجر سيارات قبل أن يصبح مجاهدا. لقد زجوا بمقطع للخطيب العدناني الذي قُتِلَ ولم يبق عندهم خطيب بعده، مع كلمات قديمة لخليفتهم البغدادي.

يقولون إن النبي وعدهم بالنصر؟ وهم في كل الأحوال منصورون. فما أن يُقتلوا حتى يذهبوا إلى الجنة، والباقي أناشيد، كلها شتائم للصليب. لم ينسوا “دابق” القرية التي طردتهم منها تركيا مؤخرا، وروما لأن الصحابة سألوا النبي؛ القسطنطينية أولا أم روما؟ قال لهم لا أولا مدينة هرقل.

على النقيض من إصداراتهم السابقة بدا هذا الإصدار فاشلا بامتياز. الداعشي يرى الإصدار فتخور قواه بكل تأكيد وربما لا يقوى على النهوض. معنوياتهم صفر. كائنات مختلة عقليا، يستشهدون بمعركة الأحزاب والخندق. وكأنهم يقارنون أنفسهم بالنبي الكريم، وكأن قبيلة تحاصرهم بالحمير والبغال وليست طائرات رافال وشبح وأف 35 وب2.

هناك مجانين يقولون إن داعش سيرجع بعد تحرير الموصل. نعم سيرجع ولكن ليس إلى العراق، ولن تقوم للجهاديين قائمة في العراق بعد تحرير الموصل أبد الدهر. ولو دخل خطيب في المستقبل إلى الفلوجة أو الموصل وذكر “الجهاد” سيموت من صفعات الناس. الناس تأدبت وانتهى الأمر.

لو الشيعة يتنازلون جدلا عن الحكم في بغداد لما وجدتَ أحدا من السنة يتجرأ ويقبل بحكم العراق. الجرأة والطموح والحماسة كل هذه أشياء انطفأت في الجانب السني. الجانب الشيعي يتمتع بدعم أميركا وروسيا وبحليف يقظ مثل إيران. الموضوع شبه محسوم اليوم.

الدواعش عندهم مدرعة جديدة يريدون بها احتلال روما. وماذا نفعل بروما؟ يمكنك الذهاب إجازة على البحر المتوسط في روما اليوم، وتجلس في حانة قديمة بشارع جذاب وتحتسي نبيذ البندقية المعتق، حيث تحيط بك أجمل صبايا العالم تحت الكاتدرائيات والعمران التاريخي. ماذا نفعل بالدواعش هناك؟ مجرد تخريب للحياة الإنسانية. الله يحمي روما من الخراب.

داعش فكرة فاشلة جملة وتفصيلا، حالة شيزوفرينيا مؤقتة تمر بها الأمم، كما يمر بها الفرد. وانتهت إلى الأبد في العراق خصوصا، هذا الضرب أخرج الجني من البدن والمدن، وثاب السنة إلى رشدهم.

نحن غير مهتمين بداعش اليوم فهذا موضوع محسوم، الاهتمام بمصير أهلنا في الموصل. فإذا لبس رجال الحشد زي الشرطة الاتحادية والجيش لن تكشفهم الطائرات الأميركية. أما تأكيدات قادة الميليشيات بأنهم لن يدخلوا الموصل، فهذا سمعناه من قبل في الفلوجة.

بل بالعكس في معركة الفلوجة كان التيار الصدري ضد انتهاكات الحشد، ويصرح ويتظاهر، اليوم مقتدى الصدر تصالح مع قيادات الميليشيات، ولم تعد هناك أي معارضة قوية لانتهاكاتهم.

بعد معركة الفلوجة خرج رئيس الوزراء حيدر العبادي أمام المدينة بعد تحريرها حاملا العلم العراقي وتعهد بأن الحشد لن يدخل، وأنه سيتم الحفاظ على الممتلكات، وكذلك تعهد قائد العملية الجنرال عبدالوهاب الساعدي، وكان هناك نائب عراقي من الفلوجة، جاسم العسل، زار المدينة وقبل الأرض مؤكدا سلامة المدينة.

بعد ذلك كله دخل الحشد وأحرق البيوت ونهب الممتلكات وتم اكتشاف مقبرة جماعية لعشيرة المحامدة وأخذوا معتقلين لا أحد يعرف مصيرهم. ما الذي يمنع تكرار نفس السيناريو في الموصل. خصوصا وأن دور الحشد ليس في تحرير المدينة من داعش، بل مهمته إرهاب المدينة، وتلقينها درسا لا تنساه، حتى لا تفكر باستقبال الجهاديين أبد الدهر.

لأول مرة يتكلم رجب طيب أردوغان بلغة صريحة عن الحكومة العراقية واصفا إياها بـ”الجانب الشيعي”، وأن تركيا لن تصم آذانها عن استغاثات “أشقائنا العرب السنة والتركمان”.

أما وزير الخارجية السعودي عادل الجبير فقد أعرب عن تخوفه من دخول ميليشيات متطرفة إلى الموصل، قائلا “نخشى أن يتسبب دخول ميليشيات الحشد إلى الموصل بحمام دم”.

لم يتردد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بإلقاء خطاب شديد اللهجة ضد الطرفين، أكد فيه عدم رغبته بإثارة مشكلات مع دول الجوار، ولكن السعودية اعترفت بخمسة آلاف شاب من مواطنيها تطوعوا في داعش، ولمح إلى دورها في اليمن وقضايا داخلية، كما لمح إلى أن تركيا متعاونة مع داعش بدليل أن الدواعش لم يطلقوا سراح أسير بتاريخهم سوى الدبلوماسيين الأتراك في الموصل.

الصدمة السياسية بالنسبة إلى السعودية هي أن تصالح مقتدى الصدر مع الحشد الشعبي وهجوم حيدر العبادي على سياستهم جاء في ليلة واحدة. وانهار كل ذلك الإعلام العربي عن الأمل بأن يكون الصدر مختلفا عن هادي العامري، أو أن يكون العبادي مختلفا عن نوري المالكي. لقد وضع شيعة العراق السياسة السعودية أمام موقف موحد بسيط وقاس ضدهم.

شيعة العراق يقولون لماذا نقدم دماء أبنائنا في الموصل؟ وما الذي يضمن عدم عودة الإرهاب في ما بعد؟ إنهم يؤكدون أن ثمن الدماء الشيعية لا بد أن يكون نصرا “مذهبيا” وهناك رغبة شعبية شيعية باقتحام الحشد للمدينة وتركيعها بلا شفقة حتى يكون درسا لا ينساه الشيوخ والأطفال جيلا فجيلا.

إن الحشد الشعبي يردد اليوم بيت المتنبي الذي قيل في القائد الشيعي سيف الدولة الحمداني “على الفرات أعاصيرٌ وفي حلبٍ/ تَوَحُّشٌ لمُلَقّى النصْرِ مُقْتَبَلِ”.

يقولون لماذا الشاب الشيعي الفقير يأتي من محافظة ميسان ويعود جثة هامدة إلى كوخ أمه المتداعي؟ لكي يعود ابن الموصل من بارات تركيا ويبيع بيته وأرضه بمليون دولار ويرحل؟ دون معاناة ولا تضحيات؟ لهذا يصرون على أن يكون النصر موجعا وأن تكون عودة الموصللي إلى مدينته كعودة ابن الفلوجة دامعة ومليئة بالانكسار. يريدونها عودة من نوع “فدعني فهذا كله قبر مالكِ”.

نحن غير مهتمين بداعش اليوم فهذا موضوع محسوم، الاهتمام بمصير أهلنا في الموصل. فإذا لبس رجال الحشد زي الشرطة والجيش لن تكشفهم الطائرات الأميركية. أما تأكيدات قادة الميليشيات بأنهم لن يدخلوا الموصل، فهذا سمعناه من قبل في الفلوجة

يروي لي أحد أبناء الفلوجة العائدين “تعال شوف سيطرة الصقور بين بغداد والفلوجة وبعدها تدقيق في بيت ‘خميس ارديني’ من قبل الحشد والجيش والشرطة يصيحون اسمك ويدخلوه في جهاز الحاسبة الأمنية ثم يصرخون ‘أبيض’ يعني ليس عليه شبهة، وإذا طلع ‘أسود’ تروح بالرجلين، النساء والأطفال والعالم تبيت يومين وأكثر لأجل هذه الإجراءات المتعلقة بدخول الفلوجة”، هذا بالضبط ما تخطط له الحكومة في الموصل.

نحن لسنا في سعادة بالتحرير بل في قلق شديد. معظم المثقفين الشيعة يشاركوننا القلق على المدنيين، فالتحرير أشبه بعملية جراحية لاستئصال ورم خبيث من الموصل، وليس فرحة ولا عيدا.

نحن أمام تزاحم للأسلحة والجيوش والطائرات من كل الاتجاهات حول مدينة عراقية عريقة كريمة يسكنها مليون إنسان عراقي شريف.

لا يغيظني شيء مثل السني الذي يهلل ويرقص متظاهرا بالفرح والنصر وكأنه يريد مزاحمة الشيعة على انتصارهم في الموصل، إنه انتصار بصدور رجالهم، ووحدتهم، ونجاحهم السياسي ولن يفيدك هذا الهراء الوطني المخادع في شيء.

هناك مثل قديم جدا في محافظة البصرة، كانت تردده جدتي، التي ماتت منذ زمن بعيد، كانت تقول في مثل هذه الحالات “يركص بعرس أمه” رغم أن الجميع يعلم ماذا سيحدث لأمه ليلة العرس.

حين أعلن صدام حسين حربا على الخميني رأيتك فتى يافعا تحمل راية العراق وتهتف باسم الوطن والعروبة ضد العدو الفارسي المجوسي. وحين دخل الجيش الأميركي بغداد رأيتك كهلا تسحق صورة صدام حسين بقدمك، وتهتف للحرية والنصر والوطن.

وحين سقطت الموصل بيد داعش رأيتك وقد ابيضَّ شعر رأسك رافعا قبضتك باسم التوحيد والعروبة، وتهدد الروافض بهدم القباب الذهبية.

وحين تقدم الحشد الشعبي اليوم لاستعادة الموصل وتحريرها، رأيتك وقد تساقطت أسنانك الأمامية تركض وبين يديك بيرق العراق الجديد، هاتفا “موعدنا الموصل” المجد للوطن وليسقط الإرهاب.

السؤال هو متى تتوقف عن الهتاف، وتجلس إلى جانبي كنديم محترم لنبكي الحظ العاثر والمدينة والعراق؟

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر