السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

'الحرب الخفية' يفضح ممارسات الجيش الأميركي ضد مجنداته

  • كتبت قبل فترة عن الفيلم الوثائقي الأميركي الجديد “أرض الصيد”، الذي يتناول ظاهرة الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها أعداد كبيرة من الطالبات في الجامعات الأميركية (وبعض الطلاب الذكور أيضا)، وقد دفعني هذا الفيلم إلى العودة لمشاهدة الفيلم السابق لنفس المخرج كيربي ديك، وهو الفيلم الذي أثار، عندما عرض في 2012، ضجة كبرى في الولايات المتحدة أدّت إلى تدخل مباشر من وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، لتعديل البعض من قواعد التحقيقات داخل الجيش الأميركي.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/10/21، العدد: 10431، ص(16)]

دموع القهر

لا يتناول فيلم “الحرب الخفية” للمخرج الأميركي كيربي ديك، دور القوات المسلحة الأميركية في التصدي لأعداء مجهولين للجيش موجودين في داخله، إنما يتناول حربا من نوع آخر يشنها جنود وضباط، بل وكبار القادة ضد المرأة، وتتمثل في الاعتداءات الجنسية التي تصل إلى الاغتصاب، الذي تتعرض له الكثير من المجندات في الفروع المختلفة من الجيش الأميركي.

هذه “الحرب” المشرعة ضد النساء بوجه خاص داخل المؤسسة العسكرية، لا تلقى ما تستحقه من اهتمام، أي من تحقيق وحساب رادع يتناسب مع فداحة الجريمة، التي لا تتعارض فقط مع كل الأعراف والقوانين، بل ومع قواعد الانضباط التي يفترض أن تحكم عمل المؤسسة العسكرية عموما، وحينما يصل الأمر في البعض من الحالات النادرة إلى القضاء، يتم رفض القضية، تحت أغرب مبرر يمكن أن يستوعبه العقل، وهو أن هذا النوع من الاعتداءات الجنسية هو جزء من “مخاطر المهنة”، وفي حالات أخرى يصدر الحكم بإدانة الضحية أي المرأة، بممارسة “الزنا”!

مادة الفيلم

يعتمد الفيلم على بناء متوازن، يجمع بين الشهادات التي تصدر عن شخصيات مختلفة؛ ضحايا الاعتداءات من النساء والبعض من الرجال أيضا، مع ملاحظة أنه ليس من السهل أن يعترف الرجل بتعرضه للاغتصاب من قبل رجال مثله. وممن شهد على ذلك مسؤولون رسميون في الجيش الأميركي ووزارة الدفاع، خبيرة في قضايا الاغتصاب، طبيبة نفسية متخصصة، محامون، ضابط سابق رفيع المستوى كان يسعى إلى تغيير طريقة التعامل مع حالات التحرش والاغتصاب، ولكنه فشل ثم استقال، آباء وأزواج البعض من النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب، أعضاء في الكونغرس الأميركي.

ثقافة القوة جزء من تكوين المؤسسة العسكرية الأميركية التي لا تعترف سوى بالقوة والبطش وسحق الآخر

أصل الفيلم وفي القلب منه، أربع شخصيات نسائية تستحوذ على المساحة الأكبر من الفيلم، تتقاطع القصص التي ترويها هذه الشخصيات مع باقي مقاطع الفيلم ويتم مزجها بالصور واللقطات العديدة سواء من داخل الجيش أو من الأفلام الدعائية التي يبثها الجيش لتحذير النساء المجندات من التعرض للاغتصاب، وهي دعايات (ملصقات أو أفلام) تثير السخرية، فهي تبدو كما لو كانت تدعو المرأة -الجندية- إلى الابتعاد عن طريق الرجال، وكأنها المسؤولة عما يقع لها.

الشخصية الأولى التي تستحوذ على جانب كبير من الفيلم هي كوري سيوكا، التي كانت تعمل في سلاح البحرية الأميركية، وعندما انتقلت إلى نقطة مراقبة على إحدى ضفتي أحد الأنهار، تعرضت للاغتصاب من جانب رئيسها المباشر، أي الرتبة الأعلى منها، ولم يتوقف الأمر على الاغتصاب فقط، بل وجه إليها ضربة في وجهها أثناء مقاومتها له، مما أدّى إلى إصابتها بعاهة مستديمة في فكها ففقدت القدرة على تحريكه بطريقة طبيعية، وأصبحت تعيش على تناول الأطعمة السائلة والسهلة فقط. وقد تركت كوري الخدمة بعد الصدمة التي غيّرت حياتها تماما، كما حاولت الانتحار بتناول الكثير من العقاقير المهدئة التي وصفها لها الأطباء، وكتبت بالفعل رسالة لتتركها وراءها لولا أن زوجها أنقذها في اللحظة الأخيرة (وكان أيضا ضابطا في الجيش).

إنها تعرض لنا أمام الكاميرا كمية من العقاقير الهائلة التي وصفها لها الأطباء، ومعظمها مضادات للاكتئاب، ومنها ما يعتبر من الأدوية القاتلة، ورغم أنها تقدمت بشكوى رسمية عما تعرضت له، إلاّ أن قائد وحدتها رفض التحقيق في الأمر. وهي تسعى منذ أكثر من عام إلى الحصول على معاش تقاعدي يتناسب مع ما أصابها أثناء ممارسة العمل، ورغم تقارير الأطباء وصور الأشعة التي تكشف بوضوح العاهة المستديمة في فكها، إلاّ أن السلطات قامت بإخفاء ملف الجريمة عن الجهات الطبية في البحرية، وبالتالي رفض طلبها.

سينما الحقيقة

إننا لا نتابع قصة كوري من خلال حديثها أمام الكاميرا، بل عبر مشاهد مباشرة تنتمي إلى أسلوب “سينما الحقيقة”، فنراها تتصل هاتفيا أكثر من مرة، بالجهة الطبية المسؤولة عن التعويضات، ونرى كيف تقابل بالإهمال أو بالتسويف أو بادّعاء عدم الإلمام بالموضوع، ثم تتلقى بعد فترة طويلة، كما نرى، خطابا يعلمونها فيه برفض طلبها.

ويتحدث زوجها عن محنة زوجته، وكيف كان يتعيّن عليه التعامل معها، مع شعوره بالغضب الشديد، وكانت الطفلة التي أنجباها، هي ما دفع كوري إلى التراجع عن الانتحار. وعندما يوجّه له المخرج سؤالا عما يمكنه أن يفعل إذا ما كبرت ابنته وأرادت الالتحاق بالجيش، يقول إنه سيجلس معها ليقنعها بتغيير اتجاهها ويروي لها الحقيقة.

الفيلم يكشف أن هناك ما يقرب من نصف مليون حالة اغتصاب وقعت داخل الجيش خلال السنوات العشر السابقة لعمل الفيلم

الحالة الثانية التي يتوقف أمامها الفيلم هي حالة أريانا كلاي، وهي ضابط في سلاح المارينز، وقد قضت تسع سنوات في الخدمة ثم رقيت ونقلت إلى الحرس الخاص الذي يعمل في حراسة الرئيس الأميركي بالبيت الأبيض. وذات ليلة، تعرضت للاغتصاب من جانب رئيسها في العمل وزميل له، بعد أن ظلت عرضة للتحرش لفترة طويلة، وهددها رئيسها بالقتل إذا قامت بتصعيد الأمر وتقدّمت بشكوى رسمية.

والحالة الثالثة هي حالة حنا سويل التي تنتمي إلى عائلة من العسكريين، وقد التحقت بالخدمة وهي لا تزال في السابعة عشرة من عمرها، رغبة في خدمة بلادها وإيمانا بالعمل الذي تقوم به المؤسسة العسكرية، وقد تعرضت للاغتصاب وكانت لا تزال عذراء. والحالة الرابعة هي حالة ترينا ماكدونالد التي التحقت بشرطة البحرية وانتقلت إلى مكان ناء في ألاسكا، وهناك اغتصبت مرات عدة من نفس الضابط، ولم تفلح شكواها في إثارة اهتمام المسؤولين.

انتهت كل هذه الحالات وغيرها إلى ترك الخدمة العسكرية بسبب الفشل في التأقلم مع الوضع بعد صدمة الاغتصاب، وبعد أن فشلت السلطات العسكرية في إجراء تحقيق محايد أو معاقبة المذنبين؛ فطبقا للنظام البيروقراطي داخل المؤسسة العسكرية، يجب أن تذهب الشكوى إلى قائد الوحدة، وعادة يخشى القائد تصعيد الأمر، حتى لا يتهم بفقدان السيطرة على وحدته، فيميل إلى التستر وإغلاق الملف، أو اتهام الضحية بالكذب والادّعاء، أما عندما يكون القائد هو نفسه الجلّاد، فلا يصبح هناك أدنى أمل لدى الضحية بعمل أيّ شيء.

تروي إحدى الضحايا في الفيلم كيف أنها رأت بعينيها الضابط الذي اعتدى عليها، وقد أسقطت التهمة عنه بعد ثلاثة أيام فقط، قد تمّت ترقيته بعد فترة قصيرة. وتروي أخرى كيف أن مغتصبها قام بوضع مادة مخدرة لها في الشراب ثم قادها إلى مكتبه، حيث اعتدى عليها بالضرب مما أدّى إلى سقوطها واصطدام رأسها بحافة مكتبه قبل أن تغيب عن الوعي، ثم استيقظت فوجدت نفسها عارية بعد أن تعرضت للاغتصاب.

وفي أحد أكثر المشاهد تأثيرا نرى والد الفتاة التي تعرضت للاغتصاب وكانت لا تزال عذراء، وهو لا يزال ضابطا في الجيش يرتدي الملابس العسكرية وقد عاد مؤخرا من العراق، ينهار، ثمّ يبكي أمام الكاميرا وهو يصف مشاعره عندما أخبرته ابنته بالأمر، وكيف قال لها “إنك مازلت عذراء، لأن هذا الشخص حصل على شيء منك بالقوة.. فأنت لم تمنحيه شيئا”.

يعتمد الفيلم في الكثير من المعلومات التي يقدمها في السياق، على التقارير والأرقام الرسمية المحفوظة في سجلات الجيش، ومنها أن هناك نحو 23 حالة اغتصاب وقعت في الجيش الأميركي عام 2011 فقط، وأن واحدة من بين كل خمس مجندات تتعرض للاغتصاب، ولكن هناك أضعاف هذا العدد ممن تعرضن للاغتصاب لا يتقدمن بالشكوى خشية فقدان عملهن أو تنزيل رتبهن العسكرية، أي التعرض لعقاب انتقامي من جانب رؤسائهن، وهو ما يتحدث عنه الكثير من الضحايا في الفيلم.

يقول الفيلم إن هناك ما يقرب من نصف مليون حالة اغتصاب وقعت داخل الجيش خلال السنوات العشر السابقة لعمل الفيلم. يستخدم المخرج الكثير من اللقطات المصورة من أفلام الفيديو (المنزلي) سواء لليوميات التي كانت تتركها الضحايا أو لما صوره زوج الضحية من تطور في حالتها النفسية والحياتية، كما قام المخرج بمتابعة البعض من الحالات في حياتها اليومية داخل منزلها، ثم تابع اللقاءات التي جمعت بين عدد من الضحايا بعد أن قررن رفع قضية مشتركة ضد وزارة الدفاع.

الفيلم يعتمد في الكثير من المعلومات التي قدمها على التقارير والأرقام الرسمية المحفوظة في سجلات الجيش

ونشاهد أيضا لقطات من المؤتمر الصحافي الذي تحدثت فيه المجندات الضحايا علانية عن المشكلة مما نقلها إلى مجال الاهتمام العام، ثم لقائهن بعضو في الكونغرس تعهدت بتصعيد الأمر، وضرورة تغيير التشريعات التي تكفل التستر على مثل هذه الجرائم التي تشين المؤسسة التي يعتقد الأميركيون أنها واحدة من “أكثر المؤسسات نقاء”.

هناك ربط جيد بين مفاصل الفيلم المختلفة، بين الشهادات ولقطات الأرشيف واللقطات المصورة حديثا من داخل الجيش، والصور الفوتوغرافية الثابتة من أرشيف الضحايا، من خلال مونتاج يتمتع بالإيقاع السريع.

في بداية الفيلم نتعرف على “النظرة المثالية” التي كانت الدافع وراء التحاق كل واحدة من بطلات الفيلم بالجيش أو البحرية أو سلاح الطيران، مع مزيج من الصور الثابتة والوثائق المصورة للتدريبات والتشكيلات التي تتحرك في صورة شديدة الانضباط، وبعد ذلك، تدريجيا، نتابع كيف تتبدل الصورة، وكيف تأتي صدمة المشاهدة مع حديث الضحايا عما وقع لهن بشجاعة أمام الكاميرا.

رسالة واضحة

“الحرب الخفية” فيلم شديد القوة والتأثير، وهو يحمل رسالة واضحة بالأدلة والقرائن، يتعرض بشجاعة لنقد واحدة من أقوى مؤسسات الدولة الأميركية، وهو يكشف ما يمكن أن نطلق عليه “ثقافة القهر”، الشعور بالقوة، الرغبة في السيطرة من جانب الطرف القوي على الطرف الضعيف، هذه الثقافة جزء من تكوين المؤسسة العسكرية التي لا تعترف سوى بالقوة والبطش وسحق الآخر، ويؤكد هذا ما يتردد في الفيلم من أن من يقومون باغتصاب الرجال مثلا، ليسوا من الشواذ جنسيا، وأن من يقومون باغتصاب النساء، ليسوا بالضرورة من المنحرفين جنسيا، بل يبدو منظرهم الخارجي مثيرا للاحترام، فالمسألة من الزاوية السيكولوجية، تتعلق بالرغبة في الشعور بالتفوق والقوة والسيطرة والإذلال.

وهذا ما ينتقل من الداخل إلى الخارج، أي من الداخل الأميركي إلى الحروب التي تخوضها أميركا في العالم، ولعل من أشهر تلك الحروب وما وقع فيها من تجاوزات واعتداءات شائنة، حرب العراق وما كشف عنه الستار من ممارسات مهينة في معتقل أبوغريب. والفيلم يوجه نداء في نهايته إلى جميع المشاهدين بألّا يتركوا هذا الأمر يمضي، بل يجب أن يعرف مرتكبو هذه الجرائم أنهم أصبحوا تحت المجهر، ولم يعودوا يخوضون “حربا خفية” وأنهم سيواصلون ارتكاب جرائمهم دون أن يراهم أحد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر