السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

دابق… مدفن أحلام البغدادي

لأن الأوهام عند الجماعات الجهادية متعددة وهي تلتصق بها كما لو كانت حقائق، فإن ما يذيعه تنظيم داعش من مسوغات ينبئ بأن المعركة ضده لن تكون سهلة في مقبل الأيام.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/10/21، العدد: 10431، ص(8)]

عندما أصدر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، بزعامة أبي بكر البغدادي، مجلة “دابق” في يوليو من العام 2014، بعد أقل من شهر على إعلان تأسيس الخلافة، لم يكن أحـد يتوقع أن تكون هذه البلدة الصغيرة شمال سوريا أول المناطق التي يسيطر عليها التنظيم سقوطا في يد خصومها، إذ كانت الأعين كلها مصوبة نحو الموصل.

ذلك أن تنظيم البغدادي ومنظريه الذين كانوا يدبّجون المقالات لرفع معنويات المقاتلين أحاطا ذلك الاسم بنوع من الكثافة الرمزية التي أعطت الانطباع بأن البغدادي لن يفرط في تلك المنطقة، التي قال التنظيم عنها إنها ستكون “محرقة أهل الصليب” و“مدفن الكفار والمرتدين”.

جعل تنظيم داعش بلدة دابق، التي شهدة في القرن السادس عشر معركة بين العثمانيين ومماليك مصر، عنوانا لانتصاره الأخير وأيقونة جهادية، مبشرا مقاتليه بوقوع المعركة الفاصلة التي ستكون بمثابة ملحمة آخر الزمان. وقد أراد للمجلة التي استثمر فيها ذلك العنوان أن تكون منبرا يخاطب منه العالم لاستقطاب مقاتلين إلى صفوفه، موهما ضعاف النفوس بأنه يقف في صف الإيمان بينما يقف العالم كله في صف الكفر والارتداد.

وبالرغم من أن البلدة لا تتمتع بموقع استراتيجي هام يمكنه أن يشكل مدخلا لإلحاق الهزيمة النهائية بالتنظيم، إلا أن حمولته الرمزية والدينية التي استثمرها البغدادي وأعوانه طيلة العامين الماضيين تجعل تحريرها ذا تأثير سيكولوجي على مقاتلي التنظيم.

فالكثيرون ممن التحقوا به من الشباب جاؤوا تحت وطأة الآلة الدعائية التي عزفت على أوتار الأحاديث النبوية التي تنتشر في كتب الملاحم والفتن، بل يمكـن القـول إن أهمية هـذا الاسـم لعبت الدور الأكبـر في جذب المقاتلين إلى التنظيم بعد رمزية الخلافة؛ وبسقوط البلدة سينتهي واحد من عوامل الجذب الكبرى لـدى التنظيم، الـذي بدأ يتسلل إليه الفتور بفعل الحصار الذي طبق عليه، تحضيرا لمعـركة الموصل التي ستكون الضربة القاضية التي ستنهي وجوده.

ويبدو أن تنظيم البغدادي، الذي يراهن على تمديد المواجهة واندلاع الخصومة بين الأطراف المشكلة للتحالف الدولي، لم يستسلم لهذه الخسارة الرمزية التي أصابت آلته الدعائية في مقتل، فانبرى يبحث عن مسوغات أخرى لإقناع مقاتليه بأن ما حصل ليس إلا مجرد جولة في حرب أوسع لم يحن أوانها بعد.

ففي العدد الأخير من نشرة “النبأ”، التي يصدرها لإحصاء عملياته العسكرية وجرائمه في أوساط السكان المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها، قال التنظيم إنه يميز بين معركة دابق الصغرى ومعركة دابق الكبرى والفاصلة؛ بل إن التنظيم وضع برنامجا زمنيا يسبق المعركة الكبرى، مفاده أنه ستحصل “أحداث عظمى في الشمال الشامي”، في دابق وما حولها، بحيث ستكون هناك إرهاصات أولية للملاحم تُرغم الصليبيين عاجلا أو آجلا على القبول بشروط جماعة المسلمين، وبعدها وما يتبعها من نصر، يغدر الصليبيون، فتكون ملحمة دابق الكبرى”.

يبدو هذا التصور جنونيا لا يليق إلا بهذا التنظيم الفاقد للبوصلة، والذي أصبـح يتعلق بالمزيد من الوهم للحفاظ على سمعته في عيـون أتباعه، من أجـل دفعهم إلى المعـركة الأخيرة التي ستكون انتحارا جماعيا.

وقد صدق الكثيرون من أتباع التنظيم هذا الـوهم، أو أنهم أصروا على إعادة إنتاجه لكي يصل إلى أوسع نطاق عبر حساباتهم على تويتر، مثل قول أحدهم إن “مرج دابق الذي حدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يمتد من مدينة حلب بأريافها الشـرقية والشمالية وحتى مدينة أضنا التركية، وليس قرية صغيرة كما يعتقد البعض”.

ولأن الأوهام عند الجماعات الجهادية متعددة وهي تلتصق بها كما لو كانت حقائق، فإن ما يذيعه تنظيم داعش من مسوغات ينبئ بأن المعركة ضده لن تكون سهلة في مقبل الأيام، والأخطر من ذلك أن يلجأ إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد المواطنين العزل أو أن يستعمل المدنيين دروعـا بشـرية في مـواجهة الخصـوم، فتنظيـم بهذه المواصفات والبشاعات التي ارتبطت به، ليس من المستبعد أن يلجأ إلى مختلف الخيارات، بما فيها تلك الأكثر كارثية.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر