الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

أردوغان… مقولات ما قبل الدولة الوطنية

الرئيس التركي ينتمي إلى سياق 'لغوي معرفي' يعود إلى ما قبل تشكل الدول الوطنية في منطقة الشرق الأوسط، وهو انتماء لم يخفه أردوغان في أكثر من تصريح ومسلكية سياسية واستراتيجية في المنطقة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/10/21، العدد: 10431، ص(9)]

هي مرحلة الجغرافيا الرخوة التي باتت تمثّل اليوم القاسم المشترك بين الجغرافيات العربية عقب الربيع العربي الذي أدى إلى إضعاف السيادات الوطنية وتركيز العواصم الرديفة والجيوش البديلة.

هي مرحلة الجغرافيا المتغيّرة حيث يتغّير المبدأ الأساسي لحدود الأقطار من فواصل مكانية محددة من الاستعمار الغربي يسعى العقل العربي إلى تجاوزها نحو المشترك الثقافي واللغوي والرمزي والجماليّ، نحو أطر مترهلة عاجزة عن الصمود على وقع التفتيت المذهبي والطائفي والعقائدي.

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن تغيير حدود الجغرافيا المسطرة من الاحتلال البريطاني والأميركي والفرنسي في العراق وسوريا اليوم الهدف من ورائه التكريس لمفهوم اللادولة الوطنية ولتمدّد القوى الإقليمية ولضرب الوحدة القُطرية باعتبارها أقلّ سقف للبقاء والاستمرار، كما لن يتردّد العقل السليم في تجاوز ذات الحدود الاستعمارية في حال كان البديل التعاون المشترك والتعاضد الإقليمي والتجذير لمبادئ التقاطع في المسار والمصير.

حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن ضرورة تجاوز معاهدة لوزان لصالح التوسّع الجغرافي لتركيا على حساب العراق، وتحديدا في محافظة الموصل وعلى حساب سوريا وبالضبط في حلب، يدعو إلى التوقّف عند هذا التصريح الذي يعدّ واحدا من أخطر التصريحات في المشهدية الإقليمية الحالية.

تصريح أردوغان يفضح ويفصح عن المنظومة الفكرية المؤصلة لخطابه السياسي، وهي منظومة بالإمكان تلخيصها في أنّها تنتمي “إلى ما قبل الجمهورية التركية تاريخيا” وإلى المياسم العثمانية جغرافيا، وهو أمر في غاية الخطورة لأنّه يكشف لا فقط عن الخارطة المعرفية والإدراكية الإمبراطورية لدى أردوغان، وإنما أيضا وهذا هو الأخطر يميط اللثام عن مدونة قانونية وسياسية انتكاسية إلى ما قبل الدولة الوطنية.

ينتمي أردوغان إلى سياق “لغوي معرفي” يعود إلى ما قبل تشكّل الدول الوطنية إبان الخمسينات والستينات في منطقة الشرق الأوسط، وهو انتماء لم يخفه أردوغان في أكثر من تصريح ومسلكية سياسية واستراتيجية في المنطقة. ذلك أنّ التدخّل العسكري التركي السافر في العراق وسوريا مردهّما استخفاف الفاعل الرسمي التركي بمفهوم الحدود الجغرافية وبمبدأ السيادة الوطنية، سيما عندما تكون السلطة متهالكة ومترهلة في بغداد ودمشق الشام.

هكذا يتحالف السلطان مع السياق الاستراتيجي في المنطقة العربية حيث باتت الدول ملاعب وفضاءات مكاسرات إقليمية ودولية، وهكذا أيضا يمنح الربيع العربي للسلطان أردوغان الحقّ في استرداد الزمان الإمبراطوري العثماني، والعبث بالجغرافيا العربية سعيا إلى استعادة جغرافيا آل عثمان وإحياء لفرمان الباشا والآغوات.

يتماهى أردوغان مع نفسه، خطابا وسياسة واستراتيجية، فهو السلطان الذي يبتغي دستورا نصفه رئاسة ونصفه سلطنة، وهو الحاكم بأمره بعد أن أخرس أفواه المجتمع المدني التركي ولجم الألسنة وقصف الأقلام الحرة، يطلّ على بحر إيجة وإلى البوسفور من شرفة قصور أسلافه العثمانيين ويضرب وعدا لأجداده بالعودة إلى حلب وبالسيطرة على الموصل، حتّى وإن كان على حساب مدونة تشريعية عنوانها القانون الدولي وعلى حساب سيادات دول مجاورة.

أحيا الربيع العربي خرائط جغرافية لما قبل الاستقلال الوطني ممهورة بدماء التناقضات المناطقية والمذهبية، استعادت ليبيا علم الملكية ومعه أيضا التقسيم الجغرافي بين الشرق والغرب والجنوب، لم يكن اليمن أقل سوءا من ليبيا إذ بات اليوم مشرذما على وقع تقسيم جنوبي شماليّ انتكاسي عمّا كان عليه قبل الوحدة الترابية، أمّا العراق فخرائط تقسيمه مكرسة في دستوره الطائفي ومتجسدة في الواقع، في حين أنّ سوريا باتت فضاء لكافة الخرائط من فاعلي الشرق والغرب والشمال والجنوب، وكلّها تجمع على تجاوز حدود دولة ما قبل أحداث مارس 2011.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر