الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الباحثون عن الحياة بموت الموصل

إصدار 'الباحثون عن الحياة' كان خطبة الوداع لتنظيم داعش، وعلى حيدر العبادي أن ينتبه. فهذه معركة طويلة وانتحارية ولا أرى أيّ مانع من أن يجد القائد الأعلى للقوات المسلحة العراقية طريقة لطرد الدواعش وإنقاذ حياة جنودنا وحياة المدنيين.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/10/23، العدد: 10433، ص(5)]

هجوم داعش على كركوك ربما هو محاولة لحرق آبار نفط كما فعل صدام حسين بالكويت سنة 1991. قتل 12 موظفا وأربعة فنيين إيرانيين في محطة كهرباء تشيدها شركة إيرانية، وهجومات أخرى على دوائر حكومية في كركوك معناه أن داعش سيقاتل في الموصل. لن تكون هناك صفقة.

لقد سخرنا من إصدار الدواعش “معركة الموصل” ولكن المفاجأة أنهم أصدروا بعدها بيوم واحد، أقوى إصداراتهم على الإطلاق تحت عنوان “الباحثون عن الحياة” وهذا تحذير إلى جميع المسؤولين في الأمن.

أولا يتم توزيعه سرا على شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا الإصدار يأتي في حزمة من الروابط وطرق التحميل. كندا مثلا حجبت معظمها ولكن تبقى روابط غير محجوبة. لهذا من الضروري متابعة هذا الأمر في البلاد العربية وحجب هكذا سموم.

الإصدار مؤثر، فقد أُصبت بألم في المعدة، وهاجمتني نوبة بكاء شديدة. شعرت مباشرة بأنها خطبة الوداع للدواعش. سيقاتلون في الموصل حتى آخر رجل، ويبقى هذا الإصدار كنشيد لهم بعد أن يبيدهم الجيش العراقي. وبالمصادفة شاب في مقتبل العمر شاهد هذه السموم وتأثر وكتب لي “أقوى إصدار رأيته في حياتي كلها، بالرغم من أني متابع لجميع الإصدارات، قمة في الإخراج، ‘الباحثون عن الحياة’ هذا لو يشارك بجائزة أوسكار سيأخذ الجائزة وبجدارة زلزال وليس إصدارا”. من الضروري أن ينتبه الأمنيون لهذه الإصدارات وتأثيرها السلبي.

خلاصة الإصدار: شاب مضروب برصاصة في النخاع الشوكي مشلول ومقعد، يطالب بعملية انتحارية ويقول “نموت هنا لنحيا هناك”، فيعطونه سيارة مفخخة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة ويفجر نفسه بابتسامة، وإلى جانب الانفجار الضخم وجهه اليافع المكتنز يقول إنه كالصحابي عمرو بن الجموح الملقب بالشهيد الأعرج الذي قال للنبي يوم أحد “إني لأرجو أن أخطو بعرجتي هذه في الجنة”.

وشاب تونسي يصعد سيارة مفخخة، فينزله عنها شاب شيشاني، ويتعاركان ثم يقترعان فتسقط القرعة على التونسي، فيقفز فرحا كأنه فاز باليانصيب. لم أستطع إكمال الإصدار فقد هاجت عليَّ معدتي وأصبت بدوار لعلمي بخطر هذا على الفتيان الصغار. إنه تشجيع قويّ على الموت وترك الحياة الدنيا وأهلها. ضروري جدا أن تلاحق الدول العربية هذا الإصدار وتحجب كل روابطه عن الفتيان.

الدواعش جعلونا عاجزين عن مشاهدة أفلام المغامرات الأميركية الهوليودية، دمّروا الخيال. أنظر إلى غزوة كركوك مثلا. إن خمسة أصدقاء يصعب عليهم الاجتماع على العشاء في الحياة المعاصرة، فغالبا ما يكون أحدهم مريضا أو مشغولا، فكيف اجتمع عشرون شخصا على الانتحار في كركوك؟ هل هذا عرض مسرحي؟ لعب بحياة الناس؟

ما هذه الأشياء التي ليس لها تفسير في عصرنا؟ ثم كيف يجتمع 120 ألف مقاتل مع طائرات مقاتلة ودول عظمى لقتال خمسة آلاف داعشي فقط؟ والأمر الأغرب كيف حكم هذا العدد القليل من الدواعش مليونا ونصف المليون من المواطنين في مدينة شاسعة دون مقاومة لعامين؟ مدينة تحرسها أربع قبائل عربية من أشرس وأكبر القبائل في العراق؟

هذا الإصدار “الباحثون عن الحياة” هو نشيد وداع داعش، فقد لبسوا الأكفان وقرروا القتال على وضوء. واضح جدا من الهجوم على كركوك ومن هذا الإصدار. الموصل اليوم كلها في عملية انتحارية داعشية وجماعية. من المهم أن يتصرف رئيس الوزراء حيدر العبادي بحذر شديد مع عملية التحرير.

خبر سار لأهل الموصل توجه الحشد الشعبي إلى الحويجة، ولكنه ليس خبرا سارا لأهالي الحويجة. مع هذا من الواضح أن رئيس الوزراء لا يريد التصعيد مع رجب طيب أردوغان وتركيا. العبادي كقائد عراقي، عليه أن لا يستخف بأردوغان. تركيا دولة مجاورة بإمكانات ضخمة تستطيع استنزاف البلاد. لا نريد دفع أردوغان إلى تشكيل ميليشيات سنية مثل الجيش الحر في سوريا، وتشتعل حرب أهلية.

المعلن أن أردوغان لا يريد تغييرا ديموغرافيا، يقول إن تركيا تعارض جرائم الميليشيات الشيعية، وربما عنده مصالح أخرى تحت الطاولة، كبقاء عائلة النجيفي بعد التحرير تدير المدينة. فتركيا لا تريد المقرّب من المخابرات السورية مشعان الجبوري محافظا على الموصل. العبادي، كقائد للعراق، عليه أن يحاور كلاّ من إيران وتركيا ويخرج العراق سالما. أردوغان عنده معسكر في بعشيقة، في شمال الموصل على مسافة ربع ساعة من مركز المدينة، ويقول لكل العالم بعد التحرير لا يريد أن يرى ممارسات تهجير وميليشيات إرهابية تدخل المدينة. ما العمل؟

هل هناك إمكانية لارتكاب إعدامات ميدانية ومقابر جماعية، وتهجير الناس بحجة تمشيط المدينة، كما حدث في الفلوجة؟ وهل سيأخذ أردوغان قواته ويعود ذليلا؟ هل هذا ممكن في السياسة؟ قائد دولة إقليمية مهمة محيطة بالعراق يهينه العبادي ويتقبل الأمر؟ الموصل مدينة كبيرة ولها وزن رمزي، ومن الممكن حدوث احتكاك مع القوات التركية. خصوصا وأن العراق ليس دولة قادرة على حماية أمنها وأمن جيرانها؟

ثم ما علاقتنا بحسن نصرالله، الذي حذر في خطاب عاشوراء الحشد الشعبي من السماح للدواعش بالانسحاب غربا إلى دير الزور والرقة في سوريا؟ إذن هناك إمكانية لانسحاب الدواعش إلى سوريا، ونحقن دماء العراقيين؟ لِمَ لا؟ الحشد اليوم يطوق المدينة غربا امتثالا لأوامر حسن نصرالله؟

أثيل النجيفي محافظ الموصل وقائد القوات التي دربتها أنقرة، وجّه خطابا من تركيا قبل شهر، طالب فيه جميع أهل الموصل بعدم مغادرة منازلهم أثناء عمليات التحرير، ومن الواضح أنها أوامر من القيادة التركية. والبارحة العبادي يقول فتحنا طرقا للنازحين.

هذا اختلاف بالرأي ورسائل متضاربة لشعب الموصل. من الممكن جدا تفجر الموقف، واشتعال صراع ضخم حول المدينة التاريخية. الكل يعلم أن البارزاني متحالف مع تركيا، وقريب من سياستها مما سيجعل من الصراع صعبا للغاية. يتساءل الكثيرون اليوم بعد التحرير هل تبقى الموصل ثاني مدينة في العراق؟ أم يتقلّص عدد سكانها إلى الربع وتصبح ثامن مدينة في العراق؟ ربما ستنشط الهجرة منها خصوصا وأن الإجراءات الأمنية ستكون معقدة للدخول والخروج.

هل يعود المسيحي والإيزيدي؟ ربما لبيع الممتلكات فقط. وهذا سبب فرحة بعض المسيحيين في الخارج، فقد فقدوا بيوتا يصل ثمنها إلى نصف مليون دولار صادرها داعش. يبقى في الموصل الفقراء ويهاجر الأغنياء. وهذا سبب خوف أردوغان من تغيير ديموغرافي. لأن الذي يشتري الأراضي والمنازل من المهاجرين سيكون الأكراد والشيعة من خلال شركات وشخصيات كبيرة بعد التحرير. يقول مواطن عراقي “سيكون مصير السكان الأصليين في الموصل نفس مصير النخيل العراقي”، ويقصد بأن العدد سيتناقص بنسبة كبيرة بعد التحرير. هذا طبعا إذا لم تتدخل حكومة بغداد وتركيا في إنعاش المدينة بالمال والمشاريع الاقتصادية، وتخفيف آثار الحرب وإعادة الإعمار.

إصدار “الباحثون عن الحياة” كان خطبة الوداع لتنظيم داعش، وعلى حيدر العبادي أن ينتبه. فهذه معركة طويلة وانتحارية ولا أرى أيّ مانع من أن يجد القائد الأعلى للقوات المسلحة العراقية طريقة لطرد الدواعش وإنقاذ حياة جنودنا وحياة المدنيين. إن الدواعش يبحثون عن الحياة بذبح مدينة الموصل وعلى العراق إنقاذها.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر