الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

هدى الدغفق: ثقافتنا في حالة ولادة مستمرة

  • رغم القيود الاجتماعية والسلطوية، والوصاية الأبوية الذكورية إلا أن المثقفة السعودية مازالت تقاتل بشجاعة دون استسلام من أجل أن ترسم معالم وجودها الحقيقية، في زمن مصاب بهستيريا الخوف. “العرب” توقفت مع الشاعرة السعودية هدى الدغفق في حديث حول تجربتها الأدبية الأخيرة، وحول البعض من القضايا الثقافية والفكرية في السعودية.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/10/24، العدد: 10434، ص(15)]

على من تتمرد هذه الأنثى

صنفت الشاعرة السعودية هدى الدغفق كتابها الأخير “متطايرة حواسي” بعنوان فرعي على أنه “شذرات سيرية”، ويأتي هذا الكتاب بعد العديد من الإصدارات الشعرية والأدبية والثقافية التي كانت باكورتها مجموعة “الظل إلى أعلى” عام 1990. ومنذ ذلك الحين والدغفق مشغولة بالكتابة، حينا في الشعر، وحينا في السيرة، وأخرى في الصحافة. وتعمل حاليا على ديوان شعري جديد سيصدر خلال الأشهر المقبلة، وعلى أنطولوجيا شعرية بالإيطالية تحمل عنوان “مثل نبض”.

متطايرة حواسي

في كتاب “متطايرة حواسي”، الصادر عن دار أزمنة الأردنية، تهب الدغفق الحياة للأشياء الصغيرة والكبيرة من حولها، وتؤنسِنها، وتجعل لها حدودا وأمنيات حقيقية خاصة بها، إذ لا يمكن المرور بعدها على أشيائها دون أن نلتفت إلى كينونتها الوجودية فيها، حيث نلمس معها فرشاة الأسنان، واللوحات، والسرير، وعقارب الساعة، والأفلام، في عالم عجائبي جمالي يؤسس لتلك الحالة التي كتبها غاستون باشلار في “جماليات المكان”، لتصيّر الكون -حسب تعبيرها- إلى حالة شعرية في حيّز الانتباه، يضخ متعة في الفكر.

تحدثنا ضيفتنا الدغفق عن مناخات “متطايرة حواسي”، ولماذا الذهاب إلى السيرة وليس إلى الرواية، قائلة “لديّ قدرة خصبة على الاحتفاظ بلذة الأسرار الشعرية للذات، وبالتالي فضّلت البوح بهذا النسق الكتابي، كما أن الرواية أدب له شروطه ومناخاته المختلفة، بالرغم من ذلك تتشابه أحيانا الكتابة السيرية والرواية، ولكن لا تمثّلها، فهما سردان مختلفان. لربما وجدت في قولي كثيرا من الجنون واللامنطقية التي تسمح لي بأن أسكن إلى شعري، بل شاعريتي دون أرق. إنني أحيط ذاتي بولاء غير معهود للقصيدة التي واجهني الكثيرون بخشية انقطاعها عني، وربما كان الأمر تحديا لذلك الوهم المغرق في التسميات الأدبية”.

التسميات الجندرية التي تحاول تأطير الأدب وتصنيفه بحسب جنس الكاتب تثير سخرية كبيرة، فالأدب إنساني وحسب

وتتابع هدى الدغفق “هناك إيحاء عام يشي بأن الرواية تشهد كدرا معاصرا في ما بين المروي والواقعي في وطننا العربي، وبالتالي لذت بذاكرتي عن الخوض في خليط من هذا النمط، مقارنة بطبيعة السيرة التي تدخل في أعماقي لتخرج بي وتخلصني من بوح ولعنات وعقد لا أطيق بقاءها في ذاتي، ولربما لم أشأ أن تبتعد بي الرواية عمّا أنا مهمومة به، فلا أستطيع تحقيق الموازنة بين رؤيتي إلى ذاتي واستيعابي لأزماتي الاجتماعية والنفسية وما عداها. وهذا ما لم أستشعره في أجواء الرواية حتى الآن، وربما يحصل لي في ما بعد. إنني ممن يتمزق وهو يكتب سيرته. جربت ذلك البكاء اللذيذ على الورق أكثر من مرة في سيرتي السابقة «أشق البرقع.. أرى» وهذه المرة الثانية. وأيقنت أن السيرة الذاتية تشبه روحي أكثر من أي شيء آخر بعد الشعر”.

تقول شاعرتنا “التمرد -في رأيي- هو المنهج”. وهنا، يمكن اجتراح سؤال عن مدى حقيقة تمرّد المرأة السعودية أمام سطوة القبيلة والرجل والسلطة في مجتمع محكوم بالمحافظة الشديدة.

تجيب الدغفق بأن التمرد منهج، وبالتالي فهو قائم على أساسيات لا اختلاف حولها، كما تقول، بينما كتابتها هي بوح لنموذج المرأة السعودية المشحون بمحبة الاتصال والارتباط بالقالب الاجتماعي والإنساني. لأن السؤال الأصعب بالنسبة إليها والذي تواجه به ذاتيتها هو: على من تتمرد هذه الأنثى؟ هل تتمرد على أب وأم لا ذنب لهما في تخلّف اجتماعي خنقهما دون إدراك منهما لذلك الخناق، ومنع عنهما كل وسائل الوعي في حقبة سبقت؟ تقول “إنني أعي أن ما أكتبه ينطلق من إصلاح المجتمع أولا ليكون الواقع أشدّ انسجاما مع أيّ حقيقة ومنهج”.

الدغفق تهب الحياة للأشياء الصغيرة والكبيرة من حولها

حول غياب الاعتراف بالجسد، وبتفاصيله الجنسية عن السيرة، وهل كانت لأسباب فنية، أم أن الشاعرة واقعة تحت سطوة الرقيب الاجتماعي والأبوي والقبلي؟

التمرد منهج

تقول ضيفتنا “على الضد مما ذكرت فالجسد حاضر وبقوة في سيرتي، ولكنه حضور يشتكي عفته، ولو تأملت في البعض من المقاطع لوجدت نماذجه تتضح في أنوثة المراهقة والرشد والحرمان اللعين. وأما الرقيب فلقد طوحت به بمجرد أن عزمت على الخوض في مجال السيرة، إلا إذا كنت تقصد توصيف تلك الحالة الجنسية الظاهرية لمجرد الخروج عن المألوف فليس يغريني هذا المجال، ولقد أسهبت الدراما في استباحة الجسد وبرأيي أنه بمجرد دفق شهوانيتنا على الورقة الناصعة سيمتنع الجنس عن اللذة واقعيا”.الدغفق تكتب في إطار ثوري اجتماعي عالٍ، وتقتحم مناطق التابو بشجاعة إنسانية دون هواجس مفتعلة، فعندما نتوقف -مثلا- عند “العباءة” بوصفها “قبوا أسود”، وبأنها تذبح الحياة فيها، نتذكر عدّة مواقف في تاريخ نضال وتحرر المرأة العربية، مثل هدى شعراوي وصفية زغلول وفاطمة حسين وغيرهن. الأمر الذي قادنا إلى الحديث عن رأيها في تاريخ النضال النسوي الحقوقي، وأين صارت مقولات الأدب النسوي، من أدب المرأة، ومن حركة الكتابة التي تشارك بها المرأة في الثقافة العربية.

في هذا الشأن ترى هدى الدغفق أن الكتابة تتشابه وتختلف في الأزمان والمسميات، حيث أن دور الكاتبات قام على نشر الوعي في تلك الفترة من أجل تحرر المرأة من سطوة الانغلاق الذي يمارسه المجتمع، والكتابات الحالية بنفس المضمون لأن مجتمعاتنا للأسف تصرّ على جهلها وانغلاقها برغم ما وصلت إليه المعرفة في تحرير المرأة من القوالب الفكرية السوداء.

ومن ناحية أخرى تضيف “ما العباءة إلا قطعة حزن قابعة على القلب تحولت مع الآن إلى كم من الألوان الزاهية والموضة الصارخة وبقيت آثارها الحزينة وأضحت في نظر غير المقموعات بها في شعوب لا تعرفها، محلّ إعجاب كبير وبدت طاغية الفتنة، تلك الرمزية المتناقضة هي الإحالة التي أنا معنية بالحوار حولها. ثيمة القبو الاجتماعي الذي لا يحتمل بالنسبة إليّ قماشة معتمة يمكن إزاحتها بمجرد السفر والرحيل إلى مكان آخر. جل ما أعنيه هو أن وراء ذلك الوشاح أكواما من الخيبات التي استوطنت المرأة في بلادي، حيث مهدت تلك العباءة لإحكام المزيد من السطو الذكوري ذهنيا وواقعيا على المرأة، إنها مقياس لتطويع الأنثى على الانقياد والخضوع، إنها أشبه بذلك الرسن الذي تقاد به الفرس.

الرواية أدب له شروطه ومناخاته المختلفة، بالرغم من ذلك تتشابه أحيانا الكتابة السيرية والرواية ولكن لا تمثلها

ولذلك فكثيرا ما كانت العباءة أداة للنقد والانتقاد. أما من ناحية التسميات الجندرية للأدب المصنفة له بحسب النوع فأنا أنظر إليها بسخرية كبيرة ولا أعترف بها مطلقا. فالأدب إنساني وحسب”.

وفي معرض الحديث عن هيمنة تيار الصحوة وأثره على الحركة الثقافية والفنية والفكرية في السعودية تعلّق ضيفتنا قائلة “نحن من يتصور الهيمنة ويصنعها ويصدرها، أنا ممّن يوقن أن مجتمعنا يخوض ولادات إيجابية جديدة تبدو ملامحها في الأجيال المقبلة إلى الوجود بشغف ولا تشغلني حالات التنبؤ بالبؤس الذي يشحن ذاتيتي بالشعور السلبي بالفشل الإنساني الذي لامبرر له، فهناك مجتمعات ناضجة جدا تقشرت تماما بعد ثوراتها، فلا تتنبأ مع هذا الانقلاب المفاجئ لمجتمعاتنا العربية بحالة سياسية ثابتة. النتائج تشير إلى تفاؤل كبير بوجود فلاسفة سعوديين كثر ولعل وسائل التواصل الاجتماعي أثبتت ذلك بشكل لا يمكن معه التجاهل”.

وترى الدغفق أن “المثقفة السعودية مازالت تعاني وأشد ما تعانيه السلطة الذكورية التي تترصد لها في كل ناحية، وبخاصة من حيث الوصاية عليها في الواقع، وفي قانون الأحوال الشخصية. ولكنها تظل وبرغم الضغوط التي تترصدها ذات إرادة وروح خلاقة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر