الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

المغرب والاختراق الدبلوماسي في أفريقيا

تأتي الجولة الأفريقية الأخيرة للعاهل المغربي في شرق القارة لتعطي دفعة أخرى لما حصل من نتائج خلال السنوات العشر الماضية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/10/24، العدد: 10434، ص(9)]

فتح المغرب نافذة جديدة على القارة الأفريقية، هذه المرة عبر البلدان الناطقة بالإنكليزية، في إطار إعادة ترسيم دبلوماسيته الأفريقية التي أصيبت بالكسل خلال العقود الأخيرة على خلفية التقاطب السياسي والأيديولوجي الذي مزق أوصال القارة، ودفع المغرب ثمنه بسياسة الكرسي الفارغ التي أضرّت به أكثر ممّا نفعته.

جولة العاهل المغربي الملك محمد السادس لثلاثة بلدان تقع شرق القارة، هي رواندا وتنزانيا وإثيوبيا، محطة أساسية لإعادة التوازن إلى الدبلوماسية المغربية، تلحق بالزيارة التي قام بها إلى مالي في العام 2013، والجولة الأفريقية التي شملت خمسة بلدان فرنكوفونية في غرب القارة في أبريل من العام الماضي. وبذلك يكون المغرب قد غطى مختلف المحاور الرئيسية في القارة السمراء، وأحدث اختراقا ما كان متوقعا قبل عقد من الزمن، في أفق استعادة موقعه التاريخي ودوره السياسي.

والواقع أن الدبلوماسية الأفريقية الراهنة للمغرب تبدو واعية بالتحديات التي استتبعت التطورات الدولية والتغير الذي حصل في “باراديغم” العلاقات الدولية خلال العقد الأخير. فهم المغرب أن اللغة الجديدة باتت مختلفة اليوم عن تلك التي كانت سائدة في العقود الأربعة الماضية، حين كانت السياسة هي التي تجر قاطرة ما عداها من الأبعاد الأخرى في العلاقات الأفريقية البينية، ولذلك كان التقاطب الأيديولوجي على أشده، في إطار الثنائية القطبية التي إن كانت قد خلقت متنفسا في مواقع أخرى من العالم، إلا أنها كانت بالنسبة إلى القارة الأفريقية إرثا أعاق التعاون المشترك.

من هذا المنطلق فهم المغرب أن دبلوماسيته الجديدة يجب أن ترتكز على محورين لهما الغلبة اليوم على الصعيد الدولي؛ الأول هو ذاك المرتبط بالتهديدات الإرهابية في المنطقة، وفي هذا السياق تشكل تجربة المغرب في التعامل مع التحدّي الإرهابي تجربة يمكن البناء عليها وتطويرها. فالإصلاح الديني الذي باشره المغرب منذ قرابة عقد من الزمن ومكن من تقليص عوامل التطرف منحه فرصة سانحة لإسماع صوته في القارة، حيث سعت عدة بلدان أفريقية إلى عقد نوع من الشراكة مع الجانب المغربي من أجل الاستفادة من تجربته في هذا المضمار، وتبلور هذا التعاون في إنشاء معهد خاص لتكوين الأئمة والمرشدين استقطب عددا من الأفارقة قصد التكوين في المجال الديني.

أما المحور الثاني فيرتبط بالتنمية الاقتصادية، ويمكن ملاحظة أن مختلف الزيارات التي قام بها العاهل المغربي كانت تضمّ في طواقمها وفودا اقتصادية مهمة من رجال الأعمال ومدراء ومسؤولي المصارف المغربية، قصد فتح قنوات للتعاون الاقتصادي وتمهيد السبل أمام الاستثمارات المغربية. وقد بلغ حجم هذه الاستثمارات في بلدان القارة ما يزيد على 11 مليار دولار في العام الماضي، بزيادة 12 في المئة عن عام 2014، و75 في المئة مقارنة بالعام 2013. وتعطينا هذه الأرقام صورة عن البعد الاقتصادي الذي يراهن عليه المغرب في دبلوماسيته الأفريقية الجديدة. كما أن المغرب ما فتئ منذ 2001 يدعو إلى الشراكة بين الجنوب والشمال لخلق تنمية مستدامة في الضفة الجنوبية للمتوسط، والتعاون الأفريقي- الأفريقي في مجال الاقتصاد ومحاربة الإرهاب، وسبق للعاهل المغربي أن دعا بالموازاة مع ذلك إلى مشروع مارشال للقارة الأفريقية، وانتقد السياسات الأوروبية تجاهها ما خلق مناخا سمح بانتشار الفقر الذي يشكل وقودا للتطرف وغياب الأمن.

وتأتي الجولة الأفريقية الأخيرة للعاهل المغربي في شرق القارة لتعطي دفعة أخرى لما حصل من نتائج خلال السنوات العشر الماضية، والتي توّجها بتوجيه رسالة إلى القمة الأفريقية التي انعقدت في يوليو الماضي للمطالبة باستعادة مقعده الذي ظل فارغا في الاتحاد الأفريقي، منذ أن قرر عام 1984 مغادرة منظمة الوحدة الأفريقية احتجاجا على القبول بما يسمى الدولة الصحراوية ضمن لائحة أعضائها.

كان قرار الانسحاب في تلك الفترة يتماشى مع الظرفية الدولية التي كانت خاضعة للقطبية الثنائية وحالة الاستقطاب في القارة، وهو يعكس وضعية الجمود السياسي التي كانت تعيشها وغياب الفاعلية تجاه الأزمات الإقليمية. ذلك أن قصارى ما كان يمكن لمنظمة الوحدة الأفريقية آنذاك أن تقوم به هو القبول بدولة على الورق والتفرج على انسحاب دولة من مؤسسي الاتحاد، بدل أن تنزل بثقلها لحل معضلة الصحراء التي عمّرت أطول من اللازم. وبقرار المغرب اليوم العودة إلى مكانته، يكون قد أدرك أن مياها جديدة باتت تجري تحت الجسر، وأن فرص التعاون أصبحت أكثر تبشيرا بالوعود.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر