الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

لكي لا يصير ممثلونا بالخارج رسل كراهية

بث الكراهية فعل واع، يضاف إليه سلوك غير مباشر للتنفير من ثقافة أو بلد. في نيودلهي التي يسكنها 14 مليونا يتفاوتون غنى وفقرا، لن ترى سيارات أوروبية وأميركية من أنواع يتبارى في اقتنائها محدثو النعمة في مصر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/10/25، العدد: 10435، ص(9)]

للشاعر المصري صلاح جاهين رباعية دالة، يقول في نهايتها “صاحبت ناس م الخمرة ترجع وحوش. وصاحبت ناس م الخمرة ترجع بشر”. هنا مؤثر واحد وأكثر من أثر، تتعدد النتائج في ضوء الاستعداد النفسي للمتلقي، كما يسافر شخصان إلى بلد، فيرجع أحدهما مشيدا بالتقدم العلمي ورقيّ الفنون، وحسن النظام وقدسية العمل، واحترام الحريات الدينية والشخصية. أما الثاني فيعتصم بيقينه الكاذب ولا ترى عيناه إلا حي المتعة وأماكن اللهو، ولا تبقى في ذاكرته إلا مظاهر يراها انحلالا أخلاقيا.

ولأن وزارة التعليم العالي في مصر مسؤولة عن اختيار “المستشارين الثقافيين” في الخارج، فقد صدّرت البيروقراطية إلى نحو 170 سفارة مصرية، وحول العالم أفرخت الدولة العميقة أذرعا تمتد بالجهالات، عبر جيش من موظفين كسالى يحرصون على عدم الخطأ بألا يعملوا أو يتعلموا. لا أمل في أن يكتسب “موظف” مهارات في التواصل مع العالم، والتعرف إلى روح مختلفة، ولا أمل في تجديد دماء هذا الفيلق “الثقافي” إلا حين ينتزع هذا الامتياز من وزارة التعليم العالي التي تسند أحيانا إلى متخصص في هندسة الإنشاءات، أو في الطب البيطري، ويخلو سجله من أي إسهام ثقافي بكتاب مؤلف أو مترجم، أو مقال عن تصوره للمستقبل. وفي أحسن الأحوال يكون الوزير اسمه “مفيد شهاب” الجاهز دائما لإعلان بنوته لأي نظام، بنوة لا تشيخ منذ بروزه في منظمة “الشباب الاشتراكي” الناصرية، وعبوره جسر انقلاب 15 مايو 1971 الساداتي، وصولا إلى منصب الأمين العام المساعد للحزب الوطني للشؤون النيابية تحت حكم حسني مبارك الذي منحه أكثر من حقيبة وزارية، ثم عودته من الكهف ليظهر بجوار عبدالفتاح السيسي في 13 أبريل 2016، كشاهد زور على أن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين غير مصريتين!

كما ينتشي الموظف الكبير بأن يستوزره رئيس، فإن الموظف الصغير ينتظر دوره لكي يصبح مستشارا ثقافيا. عبء ثقيل لا يهابه لأنه يجهل مسؤولياته، ويراه فرصة ينبغي ألا تضيع لتأمين حياته ماديا. لا يخضع المنصب للكفاءة وربما يُستبعد كفء للشك في ولائه، وعدم اطمئنان الموظفين “الخبراء” إلى اكتمال تأهله، ليصير ترسا في آلة أخطبوطية. ما لا يعيه المستشار الثقافي أنه يمثل بلاده في الخارج.

في زياراتي للهند، فاجأني أكثر من مستشار ثقافي بجهله لتاريخ الأسلاف، لا أقصد أجداده الذين عاشوا في مصر القديمة، وإنما أسلافه في المنصب نفسه، ولا أعرف منهم إلا صلاح عبدالصبور (1931 – 1981). مستشار “ثقافي” منهم سخر من عقيدة الأغلبية الهندية، وذكرت أمامه اسم عبدالصبور فلم يجذب انتباهه، وكنت أظنه سيفاجئني بتنظيم ندوة في نيودلهي في ذكرى ربع قرن على وفاة عبدالصبور أبرز شاعر مصري في النصف الثاني من القرن العشرين، مذكرا الهنود بجهوده حين عمل مستشارا ثقافيا في بلادهم.

في هذا الكتاب المنشور عام 1972 إحاطة عقل كبير بالثقافة الإنسانية، تاريخا وحاضرا، ومعرفة الفروق الدقيقة بين دهشة الجبرتي بعلم الفرنسيين “ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة تنتج عنها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا”، ووعي رفاعة الطهطاوي بالتقدم العلمي إذ عصمه الانخراط ودراسة الآداب والقانون من الدهشة بهذه العلوم. لم يسخر عبدالصبور مثل صاحبنا من “عبدة البقر”، ولكنه استنكر ترويج “الانغلاق تحت شعار مقاومة الغزو الثقافي، فالثقافة لا تغزو ولكنها تبني وتنير، وقراءة شكسبير وكارلايل وهازلت لم تثبت الاحتلال الإنكليزي لمصر، بل لعلها ساعدت على زحزحته بما ألهبت في النفوس من معاني الحق والخير والجمال”. يذكر عبدالصبور أن شاعرا سأله، في مؤتمر ببلد أوروبي بعد هزيمة 1967، عن حال مصر، فرد على السؤال بسؤال: حالها متى؟ الآن أم منذ سبعة آلاف عام؟ وأوضح أن لحظة مريرة “مجرد دقيقة من أيام تاريخها الأزلي.. دقيقة من الألم العميق، تستأنف بعدها ابتسامتها الخالدة”. إن مصر تشبه العنقاء، وقد “رأينا كثيرا، وعرفنا كثيرا، حين تموت وتحيا مئة مرة في التاريخ، تعرف أن الموت عارض وأن الحياة هي الحق، أنت لا تدرك هذا لأنك لا تستطيع أن تنظر في تاريخ بلادك إلى أعمق من مئتي سنة، وبعدها قد ترى القراصنة العراة، أما أنا فلدي فرصة باهرة، إنني أستطيع أن أتجول في تاريخي إلى عشرين ألفا من جدودي، فأجد أحدهم يهندس الهرم الأكبر، وأحدهم يفتح الجمجمة فيداعب جراحها بأصابعه الحساسة”.

لا أظن مستشارا ثقافيا من هؤلاء قرأ البعض من رحلات أحمد فارس الشدياق وطه حسين وجرجي زيدان والأميرين محمد علي ويوسف كمال، والإمام محمد عبده وشيخ الأزهر مصطفى عبدالرازق الذي شهد شجارا بين مسلمين وهندوس من أجل بقرة، وكتب “لا أهين البقر ولكنني لا أعبده… فيا ليت المسلمين والهندوس لا يتناحرون من أجل حيوان معبود!”. ولو كتب 170 مستشارا 170 صفحة سنويا، صفحة واحدة لتبييض وجه كل مستشار، لتوفر لدينا سجل سنوي يراكم التجارب والمعارف الإنسانية، ولكن المستشار “الثقافي” الذي يكره ثقافة بلد وعقيدة أبنائه لن يكون إلا رسول كراهية. لن يفكر في تنظيم أنشطة في الفنون والآداب وتعريف الآخر بثقافة بلاده، ولو من باب أن الله خلقنا “شعوبا وقبائل”.

بث الكراهية فعل واع، يضاف إليه سلوك غير مباشر للتنفير من ثقافة أو بلد. في نيودلهي التي يسكنها 14 مليونا يتفاوتون غنى وفقرا، لن ترى سيارات أوروبية وأميركية من أنواع يتبارى في اقتنائها محدثو النعمة في مصر. هناك، كل شيء هندي تقريبا، ويستقل رئيس الوزراء سيارة هندية، أما السيارات الكورية واليابانية فتصنع محليا ولا تستورد. انتبهت إلى أن “المرسيدس” الوحيدة تخص السفير المصري القادم من بلد مدين، وضاق الوقت لتقصي نوع سيارة السفير الألماني.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر