الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الكتابة والحياء

الكاتب السيّء وحده من يتقن العيش خارج الكتابة بادعائها، وربطها بشبكة من العلاقات تعوّم قيمتها وتحتفظ فقط بمظاهرها الخارجية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/10/26، العدد: 10436، ص(15)]

تقترن الكتابة بالهروب من الكلام، والتصريح بالمشاعر والأفكار والقيم أمام الملأ. فنون بكاملها نشأت لمداراة الحياء من القول المباشر، من الغزل إلى الهجاء إلى السيرة إلى روايات العواطف والجسد… تغدو الكتابة هنا حجابا يستر ذات المتكلم الذي يحس نفسه عاريا أمام متلقيه حين ينطق ويحاور، وكأنها شيء مستقل أو يتعلق بذات أخرى لن يسلط عليها الضوء. وعلى ذكر الضوء فهذا المجاز تحديدا هو ما يؤرق المبدعين ويولد رهاب الوجود خارج الورق.

أتحدث هنا عن روائيين وشعراء وقصاصين ونقاد مسكونين بالحياء، إلى درجة أن فعل الكتابة يتحول لديهم أحيانا إلى زيغ ينبغي مداراته، والتستر على معالمه، أو على الأقل يجب أن يبقى مفصولا عن وجودهم الاجتماعي، أقصد في هذا السياق تحديدا ذلك الحياء الأصيل، غير المجتبى كبلاغة مظهرية، والذي يتحول إلى صدق في الكتابة يناقض مثالب الزيف والتعالم والافتعال، والسطو على إبداع الغير.

لهذا كثيرا ما أنحاز إلى نعت “انعدام الحياء” حين أجدني في مواجهة أعمال متسرعة، ومسلوقة على عجل، للعبور بسرعة إلى عالم الضوء، فضعف القيمة متصل، ويا للمفارقة، بالشجاعة والجرأة، فالكتابة السيئة مقدامة في عمقها لا تخيفها الأحكام ولا تضيرها الفضائح.

والكاتب السيّء وحده من يتقن العيش خارج الكتابة بادعائها، وربطها بشبكة من العلاقات تعوّم قيمتها وتحتفظ فقط بمظاهرها الخارجية، التي تذلل المنابر والشاشات والمنصات ومكبرات الصوت، هو وحده من يستطيع أن يضع على وجهه قناعا من نحاس قبل أن يتحدث بالساعات عن كتاباته في كل السياقات وبين كل أشكال البشر.

أذكر هنا ذلك التمنع المحبط الذي طالما أبداه عدد كبير من الكتاب الحقيقيين في الاستجابة لحفلات التوقيع والحديث عن تجاربهم، أتفهم ذلك التمنع بوصفه تعففا كريما، وصونا للذات من جبروت الضوء والعلن، وللكتابة من التحول لاحتفال حارق، شيء لا علاقة له بالتعالي أو قلة الذوق، إنما هو الرغبة في عيش الكتابة داخليا ودون أوهام.

لهذا يجب تفهم ذلك العنف التلقائي غير المؤذي الذي يرافق سلوك الكاتب الحيي، فهو يداري في العمق هشاشة راسخة ليس منها برء، في محيط معاد للكتابة، ولا غرابة أن يحوله أحيانا إلى كائن خطر. وكأنما العنف قرين الحياء وصنوه ومجنه في الحياة والإبداع، لن أتحدث هنا عن جان جنيه ولا ألبير كامو ولا اللورد بيرون، ولا يحيى الطاهر عبدالله أو غالب هلسا أو محمد شكري أو صركون بولس، ممن صيغت جبلتهم من سبيكة عنف وخجل، وإنما استحضر فقط هذا الصمت الجهنمي الذي واجه به بوب ديلان خبر فوزه بنوبل، وكأنما الأمر لا يعنيه.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر