الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

لا تنظر إلى المرآة

يمكن اعتبار 'السيلفي' السليل الشرعي لفن البورتريه، وإذا كانت 'النرسيسية' تهمة علقت لفترة طويلة بـ'ظاهرة السيلفي'، فقد بدأت تتساقط عنها ورقة بعد ورقة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/10/28، العدد: 10438، ص(17)]

لم تعد صور السيلفي ظاهرة، خفت اعتبارها “نرسيسية” مفرطة، تنمّ عن خلل ما في شخصية صاحبها بل إن ما أسس لاستيعاب السيلفي بشكل أقل رفضا لها، هو ردّها إلى أصول الفن بشكل عام وإلى جوهره اللصيق بالإنسانية، والذي لم يكن يوما من الأيام سوى نوع من تقص للذات وللعالم.

يمكن اعتبار “السيلفي” السليل الشرعي لفن البورتريه، وإذا كانت “النرسيسية” تهمة علقت لفترة طويلة بـ”ظاهرة السيلفي”، فقد بدأت تتساقط عنها ورقة بعد ورقة، وربما يعود ذلك إلى الوعي بأن الإنسان لم يكن يوما سوى مخلوق “نرسيسي” وإن بدرجات متفاوتة، وإن كانت صور السيلفي الأكثر هشاشة وزيفا تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، فلأن ذلك انعكاس صادق لما يحصل في المجتمعات المدينيّة المعاصرة.

ولعل أهم أداة “نرسيسية” عرفها البشر هي أولا صفحة لماء غير متكدر أشعلت فضولهم حول هذا الانعكاس الذي هو هو، إذا صحّ التعبير، وجاءت بعدها المرآة غير المصقولة التي اشتد نقاؤها مع مرور الزمن وصارت قادرة على ردّ الصورة صورتين وأكثر فأكثر.

لا تخفى على أحد بلاغة أثر صناعة المرآة على فن النهضة الغربية، فقد استعان الفنانون الإيطاليون العمالقة بالمرآة فكانت أداة فعّالة في تغيير النظرة إلى ما هو شخصي وإلى ما هو عام، وإلى ما هو حقيقي وما هو ملتبس أو متحول في العالم المحيط.

وبعد جلاء التهم عن صور السيلفي واعتبارها ضربا من ضروب الفنون المعاصرة التي تصرخ “أنا!” وسط ضجيج عام غير مسبوق تضيع فيه المعالم وتتهالك الهويات الفردية، برز ما أحب أن أسميه بـ”السيلفي الجديدة” التي تجلت معالمها في الصور ذات الأبعاد الثلاثية التي تولت تصوير الجنين في رحم أمه وتحويله إلى ما يشبه دمية بلاستيكية للذكرى.

وأذكر أيضا الغرفة التي تشبه آلات الزمن في أفلام الخيال العلمي، يدخل إليها المتبضّعون في أحد “السوبرماركات” الأميركية ريثما تأخذ صورتهم بالكامل وتحولهم إلى أشياء “للفرجة”، يدفعون ثمنها ويخرجون منها ممنونين.

ومن ضمن حمى القبض على “البعد الثالث” شاهدت فيديو لعمل فني/تكنولوجي مبني على الوقوف أمام ما يشبه المرآة الناطقة في قصة “بياض الثلج”. مرآة موصولة بآلة خلفية تقوم “بطبع” خارطة الوجه بأدق تفاصيله ومن ثمة تحويله شيئا فشيئا إلى مجسم لوجهك بأبعاده الثلاثة، ثم تبدأ التحولات اللونية وتتسرب إليه ومنه تباعا بصريات متحركة كالفراشات بحس فني عال يستحضر تداعيات شعورية مختلفة.

ويجيء هذا العمل، وهو لفنان ياباني اسمه نوبوميشي آساي، تتمة لأعمال الفنانين الإيطاليين العمالقة وإن فقط لناحية تظهيرهم لفكرة مهمة، وهي أن صورة المرآة مهما كانت صادقة فيها انحرافات تبدّل من وجهة نظر الشخص إلى ذاته ومن نظرة العالم إليه.

إذا كان فنانون مثل روبنس، في لوحته “فينوس أمام المرآة”، استطاع أن يقنعنا بإمكانية نظرة فينوس إلى وجهها في المرآة وإلى الرسام في ذات الوقت، فكذلك فعل الفنان الياباني في بصرية سينمائية متشابكة مع مرور الثواني، حيث باتت التحولات التي يتعرض إليها الوجه “ثوابت” لا تنفك تغير معاني الملامح.

“نرسيسية” جديدة منهمكة في إيجاد صيغ وعوالم تعبيرية متوازية تحاول أن تربأ الصدع الذي شقته المعاصرة ما بين الإنسان وبين ذاته وبين العالم المحيط.

ثمة خرافات كانت تعبث بطفولتنا، خرافات كتلك التي تمنعنا من النظر مطولا إلى المرايا، أذكر جليا وجه جدتي حين قالت لي يوما إن “المرآة من عمل الشيطان، لا تنظري إليها”، فقلت أيّ شيطان هو هذا يا جدتي، أهو الجرأة في نكء المحرمات أو الخروج عن المألوف أو السعي لمعرفة عميقة لذواتنا ولما نحبه أو نريده فعلا من هذا العالم الذي نحيا فيه؟

لا يقع اللوم على جدتي أو جدات الآخرين، فربما خافت عليّ مثلما خافت والدة “نرسيس” حينما أخبرها العارف بأنه سيظل على قيد الحياة طالما أنه لم يتعرف على نفسه.. إن هو نظر إلى مرآة.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر