الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الإعلام العربي يفشل بتسجيل النقاط ضد داعش في حروب الصورة

  • يعتمد داعش على سياسة إعلامية احترافية، تستخدم تقنيات الإخراج الموجودة في هوليوود، لترسيخ صورة ذهنية له في العالم، وإدخال الرعب والفزع في نفوس المدنيين من أبناء المدن والمناطق المرتهنة تحت سطوته أو المهددة من قبله.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/10/31، العدد: 10441، ص(18)]

الفضائيات العربية مرتبكة أمام النشاط الإعلامي لداعش

لا نعيش اليوم في “عصر الصور” بل عصر “حروب الصور”، حيث اشتعلت معارك طاحنة في الوطن العربي متمحورة حول الصورة، وإبرازها كأحداث مهمة جاذبة، وتجلى ذلك بقوة في التغطية الإعلامية لممارسات تنظيم داعش، فالنزاعات التي لفتت الانتباه دار الكثير منها حول الصورة إما صورة قتل أو ذبح أو حرق أو تشويه… والقائمة تطول.

انتبه داعش إلى تأثير “الصورة” فجعلها سلاحا في حرب نفسية، في سبيل ترسيخ صورة ذهنية له في العالم بأنه كيان إرهابي استثنائي في الوحشية، كما عمل على “مسرحة القتال” وعرضه بوحشية.

فالرموز الصادرة عن داعش على المسرح تتصل بالواقع، ولكنها ليست الحقيقة بحذافيرها فالصورة التي من خصائصها تضخيم الأحداث بالإضافة في البعض من الأحيان إلى الخداع والإيهام، هي التي تترسخ في الأذهان دون أن يتذكر المتلقي الكثير من تفاصيل الحدث، حيث تبقى صور “قطع الرؤوس وحرق البشر أحياء”، كأنها أحداث ثابتة في الإدراك، ومنقوشة في الوعي النهائي.

وتقوم فلسفة داعش الإعلامية والنفسية على مبدأ نشر “الصورة الصادمة باستخدام تقنيات حديثة، وتتبعها الصورة التالية التي تكون أكثر عنفا من السابقة بهدف إحداث الارتباك والقلق لدى مشاهديها”، لذلك تعتبر الرموز والصور التي يطرحها داعش جزءا أصيلا من رسالة التنظيم.

كما يعتمد داعش على سياسة إعلامية احترافية، فبعض المتخصصين في الإعلام والسينما يؤكدون أن داعش يستخدم تقنيات الإخراج الموجودة في هوليوود، وهناك مكونات عديدة للصورة يهتم بها داعش مثل اللون والديكور والملابس كما كانت هناك بعض الرموز التي استعان بها الداعشيون مثل رمز (الجسد).

ويعتبر بالمقابل، سوء التغطية الإعلامية العربية لممارسات داعش، هو الأخطر، إذ أن سباقها في نقل الصور، وهوسها بعرض المناظر والمشاهد المأساوية، وتصوير الأضرار بشكل متكرر ومبالغ فيه، إضافة إلى بث وجهات نظر داعش دون إتاحة الفرصة لتعريتها والرد عليها، يشكل خطورة تؤدي بدورها إلى حدوث ردود فعل سلبية لدى البعض من شأنها خدمة العمل

الإرهابي.

وذكر الكثير من الأشخاص المنخرطين في العمل الإرهابي الذين ألقي القبض عليهم في العراق، أنهم تأثروا بما كانت تعرضه القنوات الفضائية العراقية والعربية، فقرروا الالتحاق بالمنظمات التي تحرض على القيام بالتفجيرات والعمليات الانتحارية، إضافة إلى عوامل أخرى متزامنة مع ما تعرضه وسائل الإعلام كالبطالة واليأس والإحباط من الواقع، والشعور بالظلم السياسي والاجتماعي، وفقدان العدالة.

فلسفة داعش الإعلامية والنفسية تقوم على مبدأ نشر الصورة الصادمة، واتباعها بصورة أخرى أكثر عنفا لإحداث الارتباك

وبشكل عام، يغلب اليوم على تحليل مخرجات الإعلام العربي طابع عاطفيٌّ سطحيٌّ متشنج، خاصة أنه ساعد بوعي أو دون وعي في تضخيم تأثير داعش وأنشطته. وبالتوازي، فتحت فضائيات عربية، خاصة قناة الجزيرة القطرية، الأبواب واسعة أمامه تحت شعار السبق الصحافي، وتحولت هذه الفضائيات إلى بوق دعاية لتنظيمات مثل القاعدة وداعش، وشجعت على التحاق الشباب من مختلف الدول العربية بها.

وهي تحاول الإيحاء بأن تنظيم داعش الإرهابي يمتلك إمكانيات وقدرات وخبرات عسكرية، وأن هزيمته في معركة ما لا تعني نهايته، بل إنه يمكن أن يستعيد قوته ويعوض خسائره في مواقع أخرى، وحتى تصوير النزعة الإجرامية لداعش، يمكن أن يراد منها إظهار قسوته المفرطة، لإدخال الرعب والفزع في نفوس المدنيين من أبناء المدن والمناطق المرتهنة تحت سطوته أو المهددة من قبله.

يضاف إلى ذلك تحويل الإعلام إلى سلعة تتحكم في مشاعر المتلقي واتجاهاته الإدراكية، حيث المنفعة المادية المتبادلة بين داعش وبعض القنوات الفضائية ووكالات الأنباء العالمية لتمرير خطب قادة داعش أو أفلامهم بسعر يتراوح بين 150 و250 ألف دولار. وهو أمر يتنافى مع أخلاقيات الإعلام ومسؤوليته الاجتماعية.

وتفرض سياسة تضخيم التهديد الداعشي التي تنتهجها وسائل الإعلام العربية، تداعيات عكسية تصب في مصلحته، خاصة أنها تُساعد في الترويج لأفكاره مما يؤدي إلى تحفيز فئات اجتماعية متظلمة على اتباع سبيل الخيار الإرهابي للتعبير عن مطالبها.

وما بين التهوين والتهويل في تناول الظاهرة إعلاميّا، وبالتالي التأثير على صدقية التناول، بسبب طغيان البعد الدعائي على البعد الموضوعي، يقع المتلقون الذين يعتمد جزء كبير منهم على الإعلام

لتشكيل توجهاتهم وآرائهم تجاه العديد من القضايا. ويجدر التأكيد على أن الوظيفة الإعلامية، هي وظيفة مزدوجة، بمعنى أن التغطية الإعلامية تكشف الأحداث، وفي نفس الوقت تحجب الحقائق عن الجمهور.

ولحل هذا التناقض، لا بد من التوصل إلى توازن بين وقاية المجتمع من الخوف وبين حرية الإعلام، ذلك لأن أي سياسة فعالة لمكافحة داعش والحد من مخاطره وتأثيراته النفسية البالغة تستدعي أن يكون الإعلام عونا للمجتمع، لا سلاحا يستخدمه داعش ضده.

ويرى البعض أن منع داعش من استغلال وسائل الإعلام وتجاهل بياناته وما يبثه من مقاطع فيديو يتعارض وحرية الإعلام، وأن من حق المواطن الحصول على المعلومات الوافية عن الحوادث التي تقع في البلاد ولها مساس بحياته ومستقبله، ولكن من جهة أخرى من حق المجتمع أيضا أن يحمي نفسه من الآثار السلبية الخطيرة للحرب النفسية التي تستهدف أمنه واستقراره ومستقبله.

إن الالتزام بأخلاقيات المهنة والشرف الصحافي وتغطية الحوادث بأسلوب حضاري، بعيدا عن الإثارة الصحافية والاستغلال التجاري للمآسي البشرية، لا يتعارض أبدا مع حرية الإعلام وحق المواطن في معرفة الحقائق التي لها مساس بحياته ومستقبله.

وتتمثل أزمة الحالة الإعلامية العربية اليوم، في أنها فقدت مصداقيتها في عناوينها التي لا تعبر بموضوعية وحيادية عن رأي الآخر، وأصبح الشارع العربي مشوشا وتابعا لهذه الوسائل الإعلامية وانقسم الرأي العربي حسب القنوات الإعلامية التي يتابعها.

وفي غياب مؤسسة حيادية مستقلة ومنظمات مهنية قادرة على الموازنة بين احترام حرية التعبير وحق الجمهور في الاطلاع على المعلومات، وبين تطبيق معايير السلوك المهني من احترام للخصوصية وعدم التحريض على العنف والترويج لداعش، ستبقى أغلب وسائل الإعلام العربية أو المستهدفة للجمهور العربي إحدى أهم وسائل إدامة العنف والصراع وترسيخ ثقافة الموت.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر