الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الوعي القاتل

الوعي ليس مجرّد انعكاس للواقع كما ظن الدغمائيون، بل هو فاعل بوصفه معبرا عن إرادة الفاعلين، فإنه صانع للحياة ومدمر لها.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/11/01، العدد: 10442، ص(14)]

نعرّف الوعي قائلين “جملة من الأفكار والرؤى والتصورات والمعتقدات التي تشكل عالم الفرد العقلي، وتدفعه إلى السلوك وفقها ومن وحيها، وتحدد علاقته بالآخر وبالحياة عموما”.

وما قولنا بأن الوعي هو عالم الفرد العقلي إلا تأكيد قضية قد تخفى على بعض الناس، أقصد قضية العقل بوصفه ما يختزن وما يظهر. وبالتالي لا الوعي ولا العقل ينطويان على معنى إيجابي أو معنى سلبي مسبقين.

فقد يظهر الوعي على نحو وعي بالتسامح أو وعي بالتعصب، قد يظهر علميا أو يظهر خرافيا، قد يبدو دينيا أو إلحاديا وهكذا… ولهذا قد يكون الوعي خطرا على الإنسان أو يكون سعادة له، قد يكون مزهرا للحياة أو قد يكون مدمرا لها. وبسبب هذا التناقض في ظهور الوعي -بوصفه وعيا بالعالم- أتحدث عن الوعي القاتل.

الوعي القاتل هو الوعي الذي يدفع صاحبه إلى نفي الآخر المختلف، سواء كان النفي معنويا أو كان ماديا يصل حدَ القتل.

فالوعي الديني في حدّ ذاته ليس قاتلا، فهو جملة من التصورات حول الخير والشر والحياة الآخرة وأصل الكون وفصله، وطقوس عملية للتقرب من المعبود. ولكنه يتحوّل إلى وعي قاتل عند أصحابه حين يتحوّل إلى تعصب ضدّ الآخر المختلف لنفيه وصياغة خطاب يقرّ هذا النفي ويدعو إليه.

فمقتل الحسين مثلا حادث عابر في تاريخ الصراع على السلطة، وهو امتداد للصراع بين علي ومعاوية. فهو ليس ركنا من أركان الإسلام وليس أصلا من أصوله، هو حادث دنيوي صرف حدث في الماضي ومات الفاعلون فيه والشهداء عليه.

هذه الواقعة التاريخية التي حدثت في الماضي تتحول في وعي ما من واقعة إلى معتقد يحمل أصحابه على السلوك النافي للآخر الذي يُحال إليه الحدث، بل ويجري تحميل جمهور معاصر يعيش الآن مسؤولية هذه الواقعة التي لا علاقة لها بالمعتقد الديني الإسلامي لا من بعيد ولا من قريب. وهكذا تتحول واقعة موضوعية تنتمي إلى الصراع السياسي في لحظة من تاريخ السلطة إلى وعي قاتل.

والحق بأن كل معتقد يتحوّل إلى أداة لنفي الآخر والثأر منه أو حمله على الاعتقاد به بالعنف هو وعي قاتل بالضرورة.

والمدهش في الأمر، أن الوعي القاتل ليس وقفا على التعصب الديني، إنما يدخل عالم التعصب الأيديولوجي الدنيوي. ولا أدل على ذلك من أن البعض من المنتمين إلى الأحزاب الشيوعية في بلادنا، بدل أن يستقوا من ماركس فكرة الحرية ويقفون إلى جانب الشعب المدافع عن حريته وكرامته، تراهم يزينون للقاتل فعله ويشاركونه هذا الفعل، فإذا الوعي الشيوعي انتقل من وعي حر إلى وعي قاتل.

والوعي القاتل ليس وقفا على ذلك الوعي الذي يصل إلى حدّ ممارسة القتل الجسدي فحسب، وإنما كل وعي يحول دون تقدم الفكر وثرائه هو وعي قاتل، لأنه وعي سلطة قد احتكرت الحقيقة مرة واحدة وإلى الأبد، وصارت قمعا لمنطق حياة الأفكار. ويتحوّل الوعي القاتل إلى أداة لقتل الوعي بما هو سيرورة لا تتوقف، وعملية تاريخية تعكس جدل الفكر والعالم، العالم بما هو كل متعلق بالإنسان وحياته ومصيره.

ولأن الوعي ليس مجرّد انعكاس للواقع كما ظن الدغمائيون، بل هو فاعل بوصفه معبرا عن إرادة الفاعلين، فإنه صانع للحياة ومدمر لها؛ صانع للحياة حين يكون الوعي وعيا بقيمة الإنسان وحريته.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر