الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

صراع على الميراث

العروبيون يعيدون القيمة للتاريخ الحضاري وشعوبه، التي استبعدها الإسلاميون من مفهومهم للأمة، بينما يدخل الإسلاميون فيها ما استبعده العروبيون من أقوام.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/11/01، العدد: 10442، ص(15)]

الصراع بين القوميين والإسلاميين هو صراع على الماضي، فكلاهما يتطلع إلى المستقبل من خلال الماضي، وكلاهما يرى في الماضي القيمة المفقودة التي تجب استعادتها، لاستعادة رسالتنا الخالدة إلى العالم. تختلف الرؤية حول كيفية استعادة ذلك، لكن مستقبلنا يبدأ من الماضي المجيد ما يجعل مواقف القوميين والإسلاميين، على الرغم من الصراع السياسي والفكري الطويل بينهم، تلتقي حيث يفترقان، تمجيد الماضي وتعظيمه، والاختلاف فقط على هوية هذا الماضي ووسائل تجديده وبعثه لاستعادة مجد الأمة ورسالتها.

في كلا الموقفين تكمن القيمة الغائبة التي تجب استعادتها في الماضي، لكنها عند القوميين ترتبط بأصحاب الرسالة وحملتها العرب، بينما الإسلاميون يصرون على هويتها الإسلامية الجامعة، التي لا يجب التوقف عن نشر رسالتها، باعتبارها جاءت لهداية العالم أجمع. هكذا يضع الإسلاميون وحدة المجتمع الإسلامي مقابل مفهوم الوحدة العربية، ولما كان الإسلام يجبُّ ما قبله، كان لا بد من القضاء على الموروث الذي سبقه وتدميره.

بهذه الطريقة حاولت الحركات الإسلامية حل هذه الإشكالية وما قام به تنظيم داعش في الموصل وتدمر وقبله حركة طالبان من تدمير للموروث الحضاري، هو خير دليل على محاولتهما بأن يجبا ما قبل الإسلام وكأن الوجود الحقيقي للإنسان قد ابتدأ الآن وهنا. أما المفكرون العرب فحاولوا جعل التاريخ يبرهن على صدقية نظريتهم، عندما جمعوا شعوب حضارات هذه المنطقة كلها في أرومة واحدة هي العربية.

إلى جانب هذه الرؤية الإيحائية ذات الطابع المثالي للماضي المجيد، هناك الموقف من العنف بوصفه وسيلة تبررها غاية معينة، لكن إذا كان أصحاب التوجه القومي يبررون ذلك على أساس مصلحة الأمة العليا مستخدمين الانقلابات العسكرية والعنف وسيلة لتحقيق هذا الهدف، فإن الإسلاميين يمارسونه باسم إقامة شرع الله في الأرض، الذي يستدعي القضاء على أعدائهم باعتبارهم أعداء الله، حتى وإن كانوا مسلمين يختلفون معهم في الفكر والموقف.

ولا تختلف نزعة الاستبداد والشمولية عند كليهما، لأن كلا منهما ينطق باسم الأمة، ويبرر ذلك بتحقيق رسالتها الخالدة. إن الفارق بين التيارين يتمثل في أن الأول رغم نزعته المثالية لا يتجرد من وعيه التاريخي، الذي يدفعه إلى استيعاب الواقع المعاصر، ومحاولة إدراك حاجاته، بينما لا يوجد أي اعتراف بالتاريخ طالما أن الماضي يكتسي صفة القداسة، وأن استعادته هي تحقيق لإرادة المقدس وسلطته.

يعيد العروبيون القيمة للتاريخ الحضاري وشعوبه، التي استبعدها الإسلاميون من مفهومهم للأمة، بينما يدخل الإسلاميون فيها ما استبعده العروبيون من أقوام، لكن كلاهما أغفل حقائق الثقافة والتاريخ والهوية عندما أراد فرض رؤيته بالقوة على الواقع بمكوناته المتعددة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر