السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

في الحياة العمانية تنوع طبيعي يطال الرؤى والمواقف

  • رغم قناعة الشعراء بأنهم لا يملكون سلطة تغيير العالم، إلا أنهم يأملون ويحلمون ويحاولون أن ينبّهوه إلى أنّ أملا مازال يسكن الأرواح المتعبة ليعلوا من قيمة الشعر الروحية في قدرته على محاربة الشر والقبح. “العرب” توقفت مع الشاعر العماني حسن المطروشي في حوار حول الشعر والترجمة والبعض من القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/11/02، العدد: 10443، ص(15)]

أصغي إلى النشيد الصافي المنبعث من أعماق روحي البعيدة

"مكتفيا بالليل" هي آخر الأعمال الشعرية للشاعر حسن المطروشي، وتأتي هذه المجموعة بعد عدة كتب في الشعر وفي الدراسات وفي الترجمة، كان آخرها على مستوى الشعر، “وحيدا.. كقبر أبي” عام 2003، و”على السفح إيّاه” 2008، و”لَدَيَّ ما أنسى” 2013. ويعمل المطروشي حاليا على عدّة مشاريع ومشاركات محلية وعربية.

المحلي والعالمي

يحدثنا المطروشي عن مناخات مجموعة “مكتفيا بالليل” الصادرة مؤخرا عن بيت الغشام للصحافة والنشر والترجمة والإعلام العمانية، قائلا “حينما شرعت في كتابة قصائد المجموعة راودني شعور عميق بأنني دخلت مرحلة الحكمة، وتخيلت نفسي ديوجينو آخر يحمل مصباحه ويمشي به في الأزقة والممرات، ولكن على خلاف ديوجينو الذي كان يتجول نهارا، فقد كنت أشعر بأنني أشبه بالسراة العابرين الوجود ليلا، لشدة العتمة التي تلف العالم. إنه الليل الطويل الذي يمتد منذ امرئ القيس، ولكن في صيغ وأشكال مختلفة مغايرة ومخاتلة، أوضحهُا العمر، الذي يمضي إلى هزيعه الأخير. فالليل في عنوان المجموعة لا يعني بالضرورة مفردة الليل بدلالاتها المعجمية وأطرها القاموسية الضيقة، وإنما بحمولاتها الفلسفية والوجودية ومضامينها الإبداعية في آن واحد. وحين تكتفي بالليل فإن ذلك ليس سوى تعبير وحيد عن تضاؤل الأحلام والزهد في خداع الحياة وأكاذيبها ومكائدها الكثيرة”.

يعتقد ضيفنا أن فكرة قدرة الشعر والشعراء على تغيير العالم فيها مبالغة، ويرى ذلك مجرد حلم يذكره بشخصية الفأر ذي الذيل الطويل في أحد مسلسلات الرسوم المتحركة، الذي يسعى إلى السيطرة على العالم، في حين يواجه صعوبة في جر ذيله حينما ينوي الفرار كلما داهمه الخطر.

الذي يملك التغيير هو الذي يملك السلطة، والذي يملك السلطة هو رجل السياسة ورجل الدين ورجل المال وليس الشاعر

يقول “الذي يملك التغيير هو الذي يملك السلطة، والذي يملك السلطة هو رجل السياسة من خلال امتلاكه لإصدار القرار ورجل الدين من خلال امتلاكه لإصدار الفتوى ورجل المال من خلال امتلاكه القدرة على شراء كل شيء والمتاجرة به. أما الشعراء فهم أضعف حلقة في السلسلة المعقدة. ورغم ذلك لا يمكن أن أفقد إيماني بالضرورة الروحية للقصيدة والأغنية والمسرحية والفيلم السينمائي واللوحة التشكيلية والعمل النحتي، لأن مهمة المبدع لا تختلف عن مهمة الأنبياء في الإعلاء من قيم الخير ومحاربة الشرور والقبح”.

لدى حسن المطروشي قاموسه الشعري الخاص، ويلمس القارئ لتجربته مدى حضور الصورة الشعرية الملتقطة من الحياة اليومية التي قد لا تتأتى إلا في جغرافية وثقافة وتراث عُمان، حيث الصورة الشعرية المتوغّلة في الحلية قادرة على أن تتحوّل إلى حالة وجودية إنسانية، مثلها مثل الموسيقى وبقية الفنون البصرية والأدائية والمفاهيمية.

يعلّق شاعرنا على ذلك بالقول “تلك الجغرافيا ببحارها وبحارتها وموانئها وشطآنها ومواويلها ونوارسها ونخيلها وجبالها وصعاليكها وعشاقها وكل تفاصيلها الباذخة تسكننا وتشكل وجداننا وتعيش معنا وتشاركنا نومنا وغناءنا وحياتنا وموتنا. فلا ضير أن تشاركنا أكثر اللحظات التصاقا بالروح، وهي لحظات الكتابة. الشاعر حين يكتب لا يعبأ كثيرا باقتراحات النقد وجدلياته ووساوسه، ولا يسعى إلى تفصيل قصيدته وفق مقاسات محلية أو عالمية، وإنما هو يصغي إلى النشيد الصافي المنبعث من أعماق روحه القصية فحسب”.

ويتابع في ذات الشأن “ورغم ذلك لا ينبغي أن يتحول النص إلى وثيقة محلية تراثية مغلقة لا يجيد قراءتها أو فك طلاسمها سوى من عاش هذه الطبيعة وعرف أبجديتها وفهم قاموسها الخاص. ثمة فارق كبير بين أن يكون النص محليا مغلقا وبين أن يكون نصا إنسانيا منفتحا ذا هوية خاصة”.

النص الأدبي لا ينبغي أن يتحول إلى وثيقة محلية تراثية مغلقة

تحريك الراكد

اشتغل المطروشي في حقل الترجمة، وقدّم للمكتبة الإنكليزية كتابين؛ الأول “اقتصاد المعرفة: البديل الابتكاري لتنمية اقتصادية مستدامة: سلطنة عُمان نموذجاً” لإبراهيم الرحبي. وهو أول كتاب عماني في مجاله، يدرس الاقتصاد العماني على ضوء قيم الاقتصاد المعرفي، ويعد حجر الأساس لكل البحوث والدراسات التي تأتي بعده في هذا المجال. والثاني كتاب “مذكرات رجل عماني في زنجبار” لسعود بن أحمد البوسعيدي. وهو كتاب يتميز بأهميته التاريخية الوطنية، نظرا إلى أن مؤلفه عاش في قصور سلاطين زنجبار، وعايش الكثير من الأحداث عن كثب، باعتباره مسؤولا رفيع المستوى في الحكومة العمانية هناك، كما عاش تجربة الانقلاب وما تلاها من سجون وقتل وحشي وهروب وويلات خاضها العمانيون، وعايش أيضا بزوغ شمس النهضة العمانية المباركة وشهد إنجازاتها التي تحققت إلى الآن، وقد جاوز المئة عام من العمر. وقد منح ضيفنا من جامعة السلطان قابوس جائزة أفضل مترجم عماني لعام 2014. وفي حديثنا معه حول تجربة الترجمة، وعن مدى قيمتها كجسر معرفي إنساني هام، قادر على تعريف العالم بالثقافة العربية الأصيلة يعلّق بالقول “حينما نتحدث عن الترجمة فإن أول ما يعتري المرء هو حالة الإحباط والانحطاط الأخلاقي والإنساني والمعرفي الذي وصلنا إليه كعرب. كان المأمول أن نستفيد من ثورة التكنولوجيا وفتوحاتها العظيمة بأن نستغلها في التعريف بثقافتنا ونقلها بأسرع السبل من خلال الترجمة وعبر الوسائط الجبارة المتاحة، بالإضافة إلى الاستفادة من نتاج الشعوب المتقدمة والوقوف على مستجدات المعرفة الإنسانية في ميادينها الواسعة، للارتقاء ومواكبة سيرورة الحياة الإنسانية، إلا أننا بدلا من ذلك وظفنا هذه الإمكانيات التي لم ننتجها في كشف عوراتنا المعرفية وتعزيز الخلاف، وحملنا حروبنا من كل ظلمات التاريخ إلى فضاء التكنولوجيا، فكانت ميادين لتفريخ الإرهاب وترويجه وبسط خلافاتنا المذهبية والطائفية المقيتة”.

اشتغل المطروشي في الحقل الإعلامي والصحافي لسنوات طويلة. وفي سؤالنا له حول رأيه في حرية الرأي والتعبير في ما يخص الصحافة العمانية على وجه الخصوص، لا سيما بعد قضية صحيفة “الزمن” الأخيرة، يجيب الشاعر “أنا من الذين يأملون في أن يروا وطنهم وقد أصبح نموذجا كونيا في الحرية والديمقراطية والتعبير عن الرأي، حيث يكون للكلمة موقعها وللرأي مكانته وللصحافة دورها الحقيقي كسلطة فاعلة وضامنة للنزاهة والمساءلة وكشف الفساد وكل ما من شأنه أن يعيق العدالة ويؤثر على التنمية واستقرار الأوطان”.

وعن الربيع العربي وانقسام وتعسكر مثقفيه العرب، وانقلابات الأيديولوجيا الفكرية إلى حروب طائفية، ومدى انعكاس ظلال ذلك على المشهد الثقافي العماني، يرى ضيفنا أنه “من الصعب القول إن ثمة انقسامات في المشهد العماني، وإنما هو تنوع طبيعي في اختلاف المواقف والرؤى، فالمشهد العماني حضاري، وطني، متجانس، ومتماسك ولا يستوعب الخطاب الطائفي أو المذهبي إطلاقا، بل يرفضه بشكل قاطع، وهو يتنافى مع طبيعة المجتمع الثقافية وتاريخه وتكوينه المعرفي وعاداته وتقاليده. ورغم هذا التماسك العميق إلا أنني أشعر أننا بحاجة إلى فتح النوافذ قليلا أمام الفكر التنويري، في ظل هيمنة الثقافة التراثية الكلاسيكية الضاربة في القدم، التي تتوجس من أي حراك تنويري أو عقلاني يعيد طرح الأسئلة ويسعى إلى تحريك الراكد”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر