الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

هوس المشاهير

المقارنة أوجعتني إذ رحت أتخيل صورة شاب من بلادي على اليوتيوب وهو يؤدي ما يؤدي من فن جاد أو هابط..

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/11/02، العدد: 10443، ص(21)]

كانت منزعجة ومحتارة.. وحدثتني تسألني الحل.. فابنها الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره بعد.. قرر بمساعدة أخته التي تكبره بعامين أن يشتري بطاقة يحصل بها على توقيع شخصي من أحد المشاهير وصورة تذكارية معه.. وكانت صديقتي مضطرة لمرافقته في الوقت والزمان المحددين لتحقيق الهدف.. كانت غاضبة منهما وتجد الأمر تافها لا يجوز أن يفعلانه دون استئذانها مسبقا.. وفي الوقت نفسه كانت تشعر بتأنيب الضمير إن هي لم تحقق لطفلها حلمه!.. في واقع الأمر لم أفهم منها كل التفاصيل.. لكنني قررت مرافقتها في تلك الرحلة العجيبة للتخفيف عنها.. فيكون الانتظار أقصر وتكون صحبتنا معا سببا في إسكات وسواس الضمير!

وصلنا إلى المكان بصعوبة بالغة ووقت طال بمساعدة الدليل الناطق للسيارة قبل الموعد بربع ساعة.. ووجدنا صفا طويلا جدا من بشر بمختلف الأشكال والأجناس.. شباب وأطفال برفقة ذويهم يصطفون حول موقف سيارات واسع جدا ولا يأبهون لبرودة الجو ونثيث المطر الذي كان يداعب الوجوه بين الحين والحين..

وبعد أن علمنا أن انتظارنا قد يطول رحت أسأل صديقتي عن البعض من التفاصيل.. ومن هو هذا “المشهور” الذي يصطف البشر من أجل صورة وتوقيع منه؟.. وهل فعلا اشترت ابنتها بطاقة من أجل ذلك؟.. فعلمت أنه شاب إنكليزي من أصول أفريقية.. يبث على موقع اليوتيوب سكيتشات مضحكة تستمتع بها الفتيات والفتيان في عمر معين.. وبأنه طبع مؤخرا كتابا ضمت صفحاته صورا وتوثيقا لكل القفشات التي أداها وأصبحت رصيده الذي زاد من أعداد معجبيه حتى فاق المليونين.. وعلمت أيضا أن سعر البطاقة كان حوالي 30 دولارا.. مع حجز مسبق غير متاح بسهولة.. وتتضمن البطاقة نسخة موقعة من الكتاب وصورة تذكارية.. ولا تتضمن عرضا مسرحيا أو حفلة غنائية.. أو ما شابه ذلك..

وإذ استبد بي الفضول رحت أسأل عن عدد المنتظرين والوقت الذي يستغرقه الأمر.. فعلمت من رجال الأمن والحرس المحيطين بالمكان أن الحدث ابتدأ في العاشرة صباحا وسينتهي عند السادسة عصرا.. وأن العدد الإجمالي للبشر قد تجاوز 1500 شخص (ولكم أن تقيسوا!).. فهرعت إلى شاشة نقالي ووضعت اسمه لأرى ما يفعله هذا الشاب المعجزة ولم أجد أي شيء ذا قيمة فنية أو معلوماتية أو علمية أو تثقيفية.. بل وجدت ما يسمى ضحكا لأجل الضحك رغم أنني شخصيا حاولت الابتسام دون جدوى!..

بقينا ننتظر ما زاد على أربع ساعات حتى حانت اللحظة التأريخية.. قضينا نصف المدة في موقف السيارات في البرد والمطر والنصف الآخر في صالة تؤدي إلى صالة أخرى حتى دخل الطفل (صاحب البطاقة) بمفرده إلى غرفة جلس فيها على عرشه الشاب المعجزة ونال الطفل مراده وخرج وهو يتقافز فرحا وغبطة!

لن أقارن هنا بين الكُتـّاب المرموقين أو الموسيقيين ومبدعي الفن الجاد النخبوي وبين مشاهير الفن الشعبي والهابط لأنها بلا شك مقارنة مجحفة.. لكن المقارنة أوجعتني إذ رحت أتخيل صورة شاب من بلادي على اليوتيوب وهو يؤدي ما يؤدي من فن جاد أو هابط.. فهل يمكن له أن يحظى بهوس بشر يدفعون المال ليقفوا في الطوابير من أجل صورة أو توقيع منه؟.. بل هل استطاع عمر الشريف مثلا أن يحظى بتلك المكانة ذات يوم؟

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر