الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

هون التي تحب الحياة

هون تعطي في هذه الأيام وهذه الظروف درسا أهم ما فيه أن البنية الاجتماعية التي تتأسس على ثقافة المكان الراسخة عبر الأزمنة المتلاحقة يمكن أن تحمي أهلها من العواصف عندما تهب.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/11/02، العدد: 10443، ص(24)]

الأماكن التي ترتبط بالحياة هي تلك التي لا تتوقف قلوب أهلها عن الحب والأمل والإبحار في الجمال، ولا تنضب فيها عيون الخصوبة، ولا تأفل نجوم الإبداع، وهي تلك التي تعرف كيف تقاوم الحزن والألم وتنتصر على الموت، وتعيد مع صباح كل يوم جديد عزف سمفونية التحدي بأحلام الأطفال وزغاريد الأمهات وحكمة الشيوخ والعجائز، وبعزائم الرجال والنساء.

ومن هذه الأماكن، واحة ليبية جميلة، ومدينة صغيرة تعرف كيف تلامس الشمس وتحتضن القمر، وترسم بأناملها ملامح شخصيتها المتفردة بكثير من السلام والطمأنينة، إنها هون التي تتجاوز كل ما يدور في الجغرافيا القريبة والبعيدة من صراعات ومواجهات ومعارك وتفجيرات وآلام وتخريب ممنهج وتدمير للحرث والنسل ومؤامرات وميليشيات ودواعش وإخوان وقاعدة ولصوص، لتعلن أن الحياة يمكن أن تستمر، وأن الفرح يمكن أن يزهر على ملامح الناس، وأن الفن الجميل يمكن أن يشعّ ويتألق، لذلك أطلقت الدورة الجديدة من مهرجانها السنوي “خريف هون”، وهو في الواقع ربيعها الزاهر ككل الواحات الجميلة عندما تطرح أشجار النخيل ذهب تمورها على فضة ترابها.

عندما قرأت الخبر عن مهرجان “خريف هون”، عدت لأبحث في المراجع عن تاريخ المدينة، فاكتشفت أن أغلب الباحثين يرد جذور ساكنيها إلى قبائل بني الهون بن خزيم بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هو جد جاهلي له من الإخوة كنانة بن خزيمة جد قبيلة كنانة وأسد بن خزيمة جد قبيلة أسد وله عم واحد هو هذيل جد قبيلة هذيل.

وفي القرن التاسع للهجرة، قال الشيخ العالم الصوفي أحمد الزروق مخاطبا التلمساني الذي جاءه طالبا النصح والمشورة “اذهب لمسكان واتخذ منها مسكنا”. ومسكان أحد ثلاثة مواقع بهون، يوجد في شمالها، أشار إليه البكري منذ القرن الحادي عشر للميلاد باسم “هُــل”، ولم يجانب الزروق الصواب في نصحه للتلمساني، فالمدينة لا تزال إلى اليوم مبعثا للسكينة، لما في الأرض من عطاء وما في القلوب من صفاء وما في العقول من رجاحة، وما في النفوس من رغبة في التعلّم، وتوق للابداع، فإذا بهون على صغرها تؤثر تأثيرا بالغا في تاريخ ليبيا السياسي والثقافي والاجتماعي والإعلامي والاقتصادي، وإذا باسمها مرتبط على الدوام بمراكز النفوذ في المشهد الليبي.

وأجمل ما أراه من هذا الارتباط هو الذي كان ولا يزال مع البهجة وحب الحياة والسلم الأهلي، والذي قد يعود في ما يعود إليه إلى طبيعة ثقافة المكان الناحي نحو التأمل والشاعرية والتصوّف، ونحو التمركز بعيدا عن الصراعات، وضمن تحالفات عريقة يتخذ فيها أهل المنطقة موقع أصحاب العلم المكتفين من مكاسب الدنيا بثمار البساتين وومياء العيون وعبق الطبيعة والقناعة والنزعة الروحية المتجذرة فيهم أبا عن جد.

هون تعطي في هذه الأيام وهذه الظروف درسا أهم ما فيه أن البنية الاجتماعية التي تتأسس على ثقافة المكان الراسخة عبر الأزمنة المتلاحقة يمكن أن تحمي أهلها من العواصف عندما تهب، وأن الأجساد التي تتحرك للبناء فتنتج وتبدع وتغامر وتثابر، هي تلك تحمل قلوبا تعرف كيف تحب، وبالتالي ترتبط بالحياة، لتكون في مستوى دورها في الحياة.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر