السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

سقط سهوا

فلتسقط الملامح سهوا، فهي أكثر ما يغّيب جوهر الأشياء، لتسقط في زوبعة التشظيات الديجيتالية لكي تذوب شأنها كشأن باقي العناصر البصرية في خضم غزارة الصور الفوتوغرافية التي ينتجها العالم المعاصر بشكل تواتري.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/11/04، العدد: 10445، ص(17)]

مهما بلغت درجة حذرك من الآخرين، لا مفرّ لك من أن تذهب ولو في مغامرة واحدة نحو “وجه” من وجوه صادفتها لتتفقد تقاسيمها، ولتتأكد من حقيقتها دون أن تتوقع مُسبقا، ماذا ستكتشف عبرها غير ملامح عودتك منها إلى نقطة انطلاقتك الأولى؟

هل هكذا “وجوه” هي الأكثر تشويقا؟ هل هي الأبلغ أثرا؟ وإن كان كذلك هل هي التي يكفي بأن تمدّ يدك إليها حتى تتحلل عند أطراف أصابعك كماء مشعّ؟

هذه جملة من الأسئلة تمت بكل صلة إلى فن رسم البورتريه المعاصر، ليس كحرفة فنية وفيّة لملامح الوجه الظاهرية، بل كموقف وجودي تجاه الذات والآخر، صاحب ذلك أو ذاك الوجه دون غيره من الوجوه.

منذ اختراع التصوير الفوتوغرافي وضع فن رسم البورتريه في مواجهة شرسة مع الصورة الفوتوغرافية الشخصية، حتى بات الكلام عن موت الفن بشكل عام وفن البورتريه بشكل خاص جدلا بيزنطيا لا فائدة منه.

ومع ذلك، فاليوم أكثر من أي زمن مضى، بات ما يحدد أهمية أي صورة فوتوغرافية/شخصية تريد أن ترقى إلى مستوى التعبير الفني هو ليس وفاءها للواقع الظاهري، بل قدرتها على تظهير غموض ما يصعب الإمساك به في هيئة أو معنى واحد.

لعل مجموعة الصور الفوتوغرافية لأصدقاء غابوا وغرباء التقاهم بالصدفة الفنان الألماني غيرهارد ريختر والتي عمد إلى إضافة مواد تلوينية عليها، لا بل إليها، لكي تنطق بالمحجوب، هي أبلغ مثال على انصهار الفن التشكيلي والتجريدي والمفهومي بالفوتوغرافيا كفن خاص جدا و”مُنقشع” الرؤيا.

قدم الفنان هذه المجموعة منذ منتصف الستينات من القرن الفائت، لتبلغ أوج تعبيريتها في سلسلة من اللوحات المشهدية التي تحمل مسمات بشرية لهؤلاء الذين رسمهم/صورهم في فترة سابقة من حياته الفنية.

فالشبحية الشعرية و”العصبية التصويرية”، إذا جاز التعبير، التي استخدمها الفنان كأسلوب فني لتصوير الأشخاص مكّنت حضورهم البشري بأن يستمر في صوره ولوحاته اللاحقة حتى تلك التي لم تقدم إلاّ مشاهد تجريدية لا علاقة لها للوهلة الأولى بالوجوه، هذا الحضور البشري، أو حضور غيابه على الأصح، هو المادة الأولى لكل أعماله مهما تنوعت واختلفت.

سبق أن شاهدت بعضا من هذه الصور في أحد المعارض، أذكر أنني شعرت برغبة شديدة في لمسها كما تريد أن تلمس وجها أحببته أو تريد أن تتحقق منه، ريثما ينجلي الشك والخوف فترضى به وبغموضه كبريق يزيده جمالا وغنى.

هكذا إحساس اختبرته كثيرا أمام لوحات تشكيلية غنية بالمادة اللونية، ولم أختبره أبدا أمام أي صور فوتوغرافية في معرض من المعارض المحلية والعالمية.

صوّر ورسم ولوّن الفنان الألماني جيرهالد ريختر أعماله مستخدما لغة الفوتوغرافيا، حتى أنه أمعن في تحوير وإعادة إنتاج ما يمكن اعتباره أخطاء تقنية في خدمة التعبير الفني عما هو خلف الظاهر، أخطاء من قبيل “الأوت أوف فوكس”، و”الفلاش باك” وما يمكن تسميته “بالتجريح”.

تكمن المفارقة أن الفنان اعتبر أن فنّه يهدف إلى تقديم بورتريهات لا تشي بأي شيء عن حقيقة أو مشاعر الشخص المُصور، إذا كان هذا هو حقا هدف الفنان، فقد فشل فشلا ذريعا في معظم أعماله!

يبقى أن أجمل ما قاله الفنان، حينما سئل عن ماهية التصوير الفوتوغرافي “لا.. ليس الهدف من التصوير الفوتوغرافي تمثيل المعلوم، بل تجسيد الغائب/الغامض الذي لا بد من مواجهته والتفاعل معه”.

فلتسقط الملامح سهوا، فهي أكثر ما يغّيب جوهر الأشياء، لتسقط في زوبعة التشظيات الديجيتالية لكي تذوب شأنها كشأن باقي العناصر البصرية في خضم غزارة الصور الفوتوغرافية التي ينتجها العالم المعاصر بشكل تواتري، لتسقط كي يبقى الغياب حيا وفاعلا في التحولات الشخصية وفي بنية تشكيل السير الذاتية.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر