السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

شفرة خامنئي للتهديم والتفليش

تفجير المرقدين في سامراء في العام 2006 درس لخلق ردة فعل فاصلة في التكوين النفسي بين أبناء الوطن الواحد وأيضا الدين الواحد.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/11/05، العدد: 10446، ص(8)]

تصادفنا في الحياة اليومية بنايات تبدو متهالكة ومهجورة وبنوافذ محطمة وجدران متداعية، حتى يخيل لنا أننا نخاطر بالقرب منها لاحتمال أن تتهاوى بفعل صدمة أو ريح عابرة. ما يدهشنا هو الجهد الاستثنائي الذي تتطلبه إزالة البناء وكيفية التهديم، لنتبين واقعيا متانة الأسس والأعمدة الثابتة التي تستند عليها كل متممات التصميم والإنشاءات؛ من يقومون بالهدم مهندسون متخصصون ومقاولون على دراية كبيرة ومعرفة دقيقة بالخرائط الأولية، وبموجبها يتم تحديد أسلوب ومواقع الإجهاز عليها.

عادة لكل بناء هيكل يستند على نقاط قوة، وأي مفاضلة وانحياز إلى جمالية التصميم على حساب متانة الثبات والاستقرار يكون مصيرها الرفض أو المعالجة الإنشائية قبل الموافقة النهائية على البدء في إنجاز المشروع.

تحضر في ذهني تلك التقارير التي نبشت كل التفاصيل في خرائط تصميم برجيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك إثر تعرضهما إلى التداعي بعد الصدمات المروعة بالطائرات المدنية في العمل الإرهابي النوعي يوم 11 سبتمبر 2001. كان التحدي سؤالا لطاقم المهندسين: لماذا انهار البناء بالكامل، دون أن يتوقف أو تختصر خسائره على الطوابق التي تلقت الصدمة أو شبت بها الحرائق؟

الإجابة فتحت طريقا لإعادة النظر في فلسفة البناء، وتدشين مفاهيم مبتكرة تميل إلى تدعيم الركائز الأرضية بدعامات متتالية وبمواد إنشائية مختلفة توفر المتانة والمرونة وتحجيم الأضرار عند الحوادث مهما كانت وتأمين عناصر السلامة والإنقاذ واختصار الزمن للمعالجة، خاصة في ناطحات السحاب والبنايات الفخمة والأكثر تأثيرا في وظيفتها ونشاطها الإنساني.

مقدمة كان لا بد منها للمرور بحذر في قاعة عمليات جراحية كبرى نفترضها في مشفى ميداني لحروب متناثرة تزدحم بالفوضى والعبث والصراخ والألم، نخشى فيها من تماس غير متعمد بجراح مازالت تنزف بيننا، ونتمنى لها أن تتوقف بالإسعافات السريعة والضمادات البسيطة، أو إذا تطلب الموقف مع الرغبة والإصرار لإنقاذ المصاب من الخطب الجلل، وذلك باللجوء إلى اتخاذ القرار الحاسم في نهاية المطاف بالعملية الكبرى.

في صلب الموضوع؛ القدس في هدف المشروع الإيراني قدس لعمليات الحرس الثوري وتوسع نشاطه وفروعه حتى بات شركة جامعة وقابضة وجدت في انهيار الدعامة الأساس للأمة العربية، ونعني بها الاحتلال الأميركي للعراق، وبعدها التواطؤ لفتح البـوابة الشرقية للمـد العنصري القومي الطائفي لملالي طهران الذي استثمر الواقع الدولي للثأر والانتقام وإطلاق بالونات الاختبار في كل الاتجاهات السيـاسية والمذهبية والتاريخية والجغرافية، ليضعها في خدمة طموحاته المتصاعدة وسقفها المفتوح من دون حدود، فالغيب دائما كالبلّورة المسحورة يمكن استحضار كل الرغبات داخلها، وهذا هو المطلوب.

قادة إيران، مهندسون متخصصون ومبدعون بالتهديم، ويعرفون أسرار وخفايا الصنعة ويبتكرون الأعاجيب وما لا يصدق لإنجـاح شـركتهم التي تتلقى الـدعم والمهـادنة والتـرويج مـن صغـار المستفيـدين أو من بعض كبار الانتهـازيين أو الـذين تلتقي مصالحهم بخراب وتفليش المدن العامرة.

آخر بالون اختبار كان الصاروخ الباليستي باتجاه مكة؛ هم يدركون أن منظومة الدفاع المتطورة ستسقطه، ويدركون أنه لم يطلق من أراضيهم، لكنهم يجمعون المعلومات وردود الأفعال ليناوروا في السياسة والإعلام، وبعدها يمهدون لزرع نقاط الشك والريبة بأصابع ديناميت وهمية تعمل وفق نظرية التنافس وخلق الأعداء لزيادة أرباحهم، وما خرجوا به من إلقاء ضلال أعمال قادمة قد ترتكبها المنظمات الإرهابية كتنظيم داعش أو غيره لاستهداف كعبة المسلمين، ليس جديدا لكنه الأخطر، لأنها محطة متقدمة عن سابقاتها من تصريحات أو حماقات كلفت تحطيم الوئام المجتمعي في العراق، مستغلة اندفاع البسطاء نحو معتقداتهم الدينية المذهبية لإعادة تجهيز الواقع بالطقوس والحقن الطائفي وشيطنة الملايين من إخوة الوطن الواحد بذريعة الانتماء، إما إلى مذهب فقهي آخر وإما استعارة حوادث التاريخ وتناسل الانتقام إلى ما لا نهاية، إلا بالقضاء على الاختلاف والمخالفين.

تفجير المرقديْن في سامراء في العام 2006 درس لخلق ردة فعل فاصلة في التكوين النفسي بين أبناء الوطن الواحد وأيضا الدين الواحد، وأي مراجعة للإحصائيات لما بعد التفجير ستنتهي إلى خلاصة مرعبة لعدد القتلى وعشوائية الصيد الطائفي والتهجير والنزوح واللجوء الدائم، وخلق استجابات مضادة أنتجت سيلا من الدماء وفوضى الإرباك الأمني والعزل المناطقي، وعدم الثقة بين المكونات، وصناعة مبررات لتأسيس الميليشيات والعصابات والمافيات المتنوعة، ونشوء ظواهر اجتماعية تتسم بضياع المواطنة.

سامراء نموذج لموجة انفعـالات امتدت إلى سوريا لحماية النظام الحاكم، وهو غـرض سياسي طـائفي أدى إلى تهديم البناية الشـامية وتحـويلها إلى مجمـوعة آثار بعـد تهجيـر وتغييـر ديمـوغـرافي للمـلايين من المواطنين، والحجة حماية مرقد يرقد بأمان واحترام وتقديس منذ أكثر من ألف عام.

الحرب مستعرة على ثوابت ومرتكزات الأمـة، والسعي للنيل منهـا وتقويض دعائمها مستمر وبانفعال، لكن أخطرها احتلال المدن والدول بالتدخل من خلال فرض الإرادات الطائفية وتجنيد المنتمين إلى مشروعيتهم المذهبية العنصرية في إطار خدمة أهدافهم المتلاحقة التي لن تتوقف ضمن مخططاتهم إلا بهولوكوست شامل مقزز بلا سقف، لأنه يتناوش غيب أحلامهم الإمبراطورية. عندما تقول شركة التهديم والتفليش العائدة لمالكها النظام الإيراني أو مقلدي ماركتها التجارية، إن هناك نيات مبيتة وتآمرية لإلصاق تهمة محاولة تدمير مكة بها، فتأكدوا أنها ستنبش تحت كل قواعد وثوابت الإنسانية وثوابت وأركان الدين ودعائم الإخاء، لتفرق شمل “الأسرة الأمة” وتحطم بـوصلة وحدتها في أوقـاتها الخمسة.

القبور والمراقد، قاموس لحل شفرة خامنئي الساذجة وسياسته الخارجية المتمثلة بتصدير فقه ولايته التي لن تتورع في سبيل تحقيق مرادها من حفر حوض لبحر وليس لنهر، لتوجيه موجات عارمة من حشود غاضبة تتدافع عشوائيا في لحظة تاريخية فاصلة كانت غيبا، لكنها تبدو اليوم أقرب ما تكون إلى الواقع. تفجير سامراء في العام 2006 ربما يكون قنبلة كُتلوية بتأثيرها ونتائجها تلتها قنابل تكتيكية أخرى تسبق تفجير قنبلة يظن العالم أنه تخلص منها في الاتفاق النووي الإيراني مع خمسة زائدا واحد، نسخة إلى المهندسين قبل التداعي الحر وانهيار البناية الخالدة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر