الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة

الوصول إلى الدواء إنما هو كامن في التشخيص الدقيق للداء، بعيداً عن المكابرة والتكاذب على الذات، وسياسات التملص من المسؤولية التي تبديها النخب العربية.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2016/11/06، العدد: 10447، ص(11)]

أعود إلى مبتدأ الكلام، لأتساءل مع المتسائلين في ملفّ “التلاعب بالعقول” المنشور في العدد الأخير من مجلة "الجديد": كيف أمكن للعنف أن يتفجّر في المجتمعات العربية بالصور المرعبة التي هجمت على الناس في السنوات القليلة الماضية، وبالبربرية التي ظهرت مع ابتكارات الخيال الجرائمي وقد تجلّى في شراكة شريكين: أنظمة استبداد سجنت مواطنيها في كهوف العبودية، ودعاة استبدال الحاضر بالماضي والعيش في كهوفه العمياء. شريكان عسكرا المجتمعات المدنية واعتاشا على العنف وجعلا من الموت لغتهما الوحيدة، ومن الناس قطعانا من الأضاحي.

كيف أمكن لشركة القتل الدولية المسماة “داعش”، أن تنشأ وتتمدد وتسود في سرعة خيالية، وتمارس أعمالها تحت أبصار الجميع من حكام دول وأقاليم ومراكز قرار دولي، وهيئات أممية عابرة للقارات قادرة بشبكاتها الدقيقة على اصطياد حتى البعوض.

وها هي تستجلب على نفسها الجيوش والأساطيل وشبكات الإعلام ومعها المنظمات الدولية المطالبة بالقضاء على هذا الوحش العجيب الرهيب المسمّى “داعش”، مخلفة من حولها غباراً كثيفاً حجب عروش الاستبداد والطائفية ولصوص الأرض والدم وبقايا الأحلام.

على أن السؤال الأكثر عمقا وحقيقية والذي يجب أن يطرح اليوم، هو: كيف حدث أن تفجّر كل هذا العنف بصوره البربرية في مساحات من المشرق العربي لم تكن يوما مجرد تراب، ولكن أخصب أرض للمغامرة الإنسانية، ونشأة العلوم والفنون والقيم والديانات ونهوض المدن والحضارات؟

كيف أمكن للعنف أن يتفشّى ويسود في نسل تحدّر من صلب هذه الجغرافيا الحضارية بأقوامها الماهرة والمبدعة، لولا تلك الطبقات العميقة من المكبوتات التاريخية التي تراكمت على مدار عقود من الفشل الفردي والجماعي، وعقود من عسكرة الدول والمجتمعات، واحتلال الإرادة الوطنية، ونشر الفساد، وهيمنة القلّة على الكثرة، واللون الواحد على حديقة الألوان في منظومات إنسانية امتازت بالتنوّع، وانتشار النهب واللصوصية والتهميش وتسييد قيم الوضاعة، ونشر الفن الهابط والأدب الرخيص وثقافة الخضوع وممالأة الحاكم، جنبا إلى جنب مع انتهاج سياسة القسوة المفرطة في قمع المعارضين وتكميم الأفواه وقتل المبادرات الفردية، بل وتحطيم كل روح تنزع إلى الابتكار وهو ما أدّى إلى لجم الشخصية العربية، وتفشّي الشعور بالجرح النرجسي لدى الأنا والجماعة معا، وهو ما أدّى إلى تمزيق وشائج العلاقة بين الذات الفردية والذات الجماعية، ووأد أحلام أجيال متعاقبة هي وتطلّعاتها، وقد طحنت بين حجري رحى الاستبداد والظلام والاستعمار الأجنبي لأجزاء من الجغرافيا العربية.

مسؤولية النخب

إن القـيمة الحقّ للسـؤال الجـوهري عن أسباب تفجّر ينابيع العنف بدلا من ينابيع الخصب في مجتمعات عربية خصبة في كل شيء، إنما هو كامن في الإجـابة الصـريحة والحقـيقية عن الأسئلة السابقة على هذا العنف والمنـتجة لـه، وفي المقدم منها أزمة الحـرية والكرامة، وهو ما تحاول مقالات هذا الملف التصدي له لتضع تحت ضوء الأسئلة ثقافة المجتمع ومصادر العنف المتسللة إلى ثقافة النشء الجـديد، وقد بات واضـحاً أن الأزمات الثقافية والسياسية الضاربة في المجـتمعات العـربية، وفي صـلبها أزمة إقحام الديني في الدنيـوي في الصـراع المجتمعي، مصـنعا للعـنف وولادة لا تتـوقف للشـخصية العـنيفة.

وبالتالي فإن الوصول إلى الدواء إنما هو كامن في التشخيص الدقيق للداء، بعيداً عن المكابرة والتكاذب على الذات، وسياسات التملص من المسؤولية التي تبديها النخب العربية أكانت الحاكمة أو تلك التي تنافسها على الحكم، وبينهما قطعاً النخب التي تصف نفسها بالمهمّشة وتستكين إلى مواقعها في هوامش المجتمعات مجترة الأحزان بينما هي تطلق لسان الهجاء للظلامي والمستبد، من دون أن تبتكر لنفسها الصيغ التي تكفل لها تأثيراً حقيقياً في جمهور بات ضحية الجميع.

إنها الأسئلة الحارقة، الأسئلة المحرجة، الأسئلة التي تنتظر من النخب المنادية بالتغيير النزول إلى ساحة الفعل للإجابة عنها لا البقاء في هوامش العطالة عن العمل، والقعود بلا أمل في غدٍ، مسترخية كسلى في ظلال قدر جماعي أليم.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر