السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

المتحف بوصفه وسيطا معرفيا: تسجيل المجد والرفعة فقط أم صورة الماضي، جيده ونقائصه؟

سوف يكون سؤال التاريخ حاضرا فيما المتحف لا يتخلى عن وظيفة المثاقفة لكنه يترك لنا الوفرة الطافحة المتعلقة بالتمايز الثقافي المفضي إلي جدل لا ينتهي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/11/06، العدد: 10447، ص(14)]

الحضارة العراقية القديمة المتحف جعلها تتنفس مجدداً

يبدو الخوض في وظيفة المتحف باعتباره حيزا مكانيا مكتنزا بالرسائل دخولا في وظائف متعددة ، تتعلق تارة بالتاريخ وأخرى بالتوثيق المجرد وثالثة بالذاكرة الجمعية وصولا إلى تشفير القيمة التي تحملها اللقى والآثار والموجودات وتحميلها تارة بقيم المجد والرفعة واستذكار الماضي والأجداد وتارة أخرى بالخبرات الماضوية القاسية، بالحروب والصراعات والهزائم والآلام والاندحار الإنساني المرير.

على صعيد المثاقفة هنالك جسر إنساني يصنعه المتحف في احتضانه آثار الثقافات، وهنا سيتم تجسيم المشهد، مشهد طريق الحرير على سبيل المثال، هنا تختصر سيرة ثقافات تتماهى وتتفاعل وتلتقي وتفترق، لكن المتحف قادر على جمع نقائضها كلها وإلا ما الذي يجمع ثقافة الصين بالثقافة الإسلامية سوى تلك الوظيفة التفاعلية التي يصنعها المتحف.

متحف الوثائق الخاصة بالحزب النازي بمدينة نورمبرغ - ألمانيا

يروي الخبير في المتاحف الإسلامية كونراد يونغ خلاصة خبراته التي تراكمت من خلال عمله في الصين، ابتداء من المقاطعات الغربية “كون مينغ” وصولا إلى إقامته في مقاطعة “يون نان”، حيث يقول “هنا تبرز الفاصلة بين زمنين، اندفاع إلى المعاصرة والحداثة، بنايات زجاجية شاهقة في مقابل بناء موشّى بالموزاييك الأزرق وحيث الولوج إلى عالم المتحف، هناك حيث تتجلى قصة طريق الحرير والمتحف الذي يحتضن تلك العلاقة العميقة بين الفن الصيني والفنون الإسلامية.

ابتداء من القرن التاسع الميلادي بدأت تلك الصلة التفاعلية الحضارية بين الصين والعالم الإسلامي، علاقة رمزية، عرفت الصين بفن الخزف ومشق الحرف الصيني المتشابك، وحقيقة العلمانية الصينية والأيديولوجيا الشيوعية الراسخة لم تغيرا من حقيقة وجود الأثر الإسلامي في شكله المتحفي.

يحكي الباحث عن تفاعل ما يجده ملحوظا على صعيد الفن البصري ، ممثلا في الخط العربي والخط الصيني، كلاهما يتم مشقه بالقلم وكلاهما يتطلب حضورا جسديا متفاعلا مع شكل الحرف ولكن هاهي الحروف متشابكة في قلب المتحف في شكل رسالة ذات قدسية لكون الحرف العربي ما هو إلا حرف قرآني والكلمات قادمة من كتاب المسلمين المقدّس، هالة القداسة هنا ستكتسب طابعا تفاعليا قائما على فكرتي المشاهدة والقراءة والتأثير الجمالي أكثر من كونها رسالة دينية، المتحف هنا يتوّج فاعلية الاتصال والتفاعل ويحيل القداسة إلى مكان العبادة. إنه يكمل المهمة ولكنه يمنحها روحا ترتبط بالفن واللون والشكل والإبداع.

في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك هنالك لوحات للخط العربي، هنا تكتسب اللوحات طابعا تزيينيا جماليا خالصا، طريقة مشق الحروف، الطابع الصوري ـ الخطّي للحروف تتفاعل لترسيخ فاعلية التلقي.

البروفيسورة سارا سيلوود في دراستها المعمقة “صناعة الاختلاف، التأثير الثقافي للمتحف”، تذهب إلى استقصاد ما تسميه “خبرة المتحف” تلك الخبرة التي تتراكم من المشاهدة والفاعل مع ما يعرض أو مع المصورات والموجودات المجسّمة، هي خبرة تتسم بالفردانية وكونها وليدة خبرة آنية تتشكل في ذلك “الطقس الصامت” من الفاعل؟ ومن الذي سيتلقّى رجع الصدى؟

الاعتداء على متحف بغداد

هنا سوف تختلف رسالة المتحف عن رسالة المؤسسة المنتجة للمتحف، الأهداف سوف تلتقي وتفترق اعتمادا على حصيلة التلقي والفاعل الفردي.

الأمر سيتعلق هنا بما تسميه سيلوود بـ”القيمة ” التي يحملها الأثر المستقر في جوف المتحف، تلك الوقفة التفاعلية المعتادة بتوظيف الحواس فضلا عن آلة التصوير وكلها تهدف للإحاطة بالقيمة التي تحملها القطع المتحفية.

يوما ما كان المتحف النازي محرّكا إضافيا لمشاعر شعبوية وكان الأثر الجمعي مسبق التكوّن في اللاوعي ولهذا صار الاستقبال المتحفي امتدادا لكمّ التحشيد وغسيل الدماغ لكنك وأنت تطأ أرض متحف نوريمبيرغ وحيث الأثر النازي صار توثيقا للمحرقة وفيما تلوح من هناك أطلال محكمة نوريمبيرغ الشهيرة والمكان الذي كان هتلر يلقي خطاباته، هنا تزدوج وظيفة المتحف ما بين التوثيق والإدانة.

هذه الخبرة كوّنتها أنا شخصيا ووثقتها ودوّنتها، الوقوف تارة في موقف الجمهور على المدرّجات بانتظار إطلالة هتلر وتارة التسلق نحو البوابة الضخمة التي كان ينفذ من خلالها، يمكن ربطها جميعا ومباشرة ساعة أن تنتقل من تلك البقايا والأطلال والهياكل إلى جوف المتحف وتشاهد بالأبيض والأسود ما كنت تركته منذ قليل لكنك الآن تشاهد حشودا حاشدة على نفس تلك المدرجات وإطلالة هتلر عبر البوابة ذاتها.

يقترب الأمر ذاته في ما يتعلق بالتاريخ الأرمني الذي كان يوما سجلا تاريخيا لفتوحات عثمانية، لكنه في شكله المحمل برسائل ضمنية تتعلق بمفهوم الإبادة تزدوج عندها تلك الوظيفة ويتناثر المعنى المزدوج للنصر/الإبادة، للفتوحات أو للاجتياح والغزو.

رسالة المتحف هنا ينطبق عليها ما قاله نايل مكروجر مدير المتحف البريطاني بخصوص الإحساس بعظمة المنجز الحضاري الذي يكدّسه التماهي مع المتحف ثم بفداحة ما يحمله التاريخ من آثام، يقول “في بريطانيا نحن نستخدم تاريخنا لكي نشعر بالراحة والرضا ولكي نشعر أننا أقوى ولكي نذكّر أنفسنا أننا أناس جيدون لكننا نمر مرور الكرام على حقيقة فكرة “تجارة العبيد” وبضع حروب مدمّرة خضناها هنا وهناك، لكننا نتغاضى عن ذلك مركّزين على ما هو مضيء من تاريخنا فحسب” ويختم مكروجر رأيه ذاك والمنشور في صحيفة الغارديان مؤخرا بالقول “إن هذا النمط من التفكير علاوة على كونه تفكيرا خطيرا إلا أنه تفكير مؤسف”.

جنديان أميركيان وقطع آثار عراقية

القصة ستتشعب وأنت تقف على أعتاب متحف هيروشيما، هنا يمكنك الغوص في الجراح الغائرة التي خلّفتها شعلة الفطر النووية، المتحف هنا ليس اختصارا لوقائع إبادة جماعية بل لرمزية الزمن المتجمد منذ تلك اللحظة، الساعة اليدوية التي بقيت أثرا من عنف القنبلة التي كان يحملها إنسان انصهر ولم تبق منه سوى ساعته دالّة عليه، ذلك في فيديو إعلاني من بضع ثوان يختصر خبرة المتحف التي تحوم من حولها طرقات الزمن على الضمير الإنساني المعذّب من جراء الوقائع المفجعة.

من تلك الساعة المتآكلة من جراء العصف النووي ستدرك تلك الروح المتآكلة عبر التاريخ التي حملت إشعاعات الموت في جنباتها من خلال صور الكهول الناجين من الكارثة.

في المقابل هنالك في العراق تشكّلت ما يمكننا أن نسميها بـ”دبلوماسية تخريب الذاكرة الجمعية” مشهد الدبابات الأميركية وهي تجر أسوار المتحف العراقي وتفتح الخزائن للصوص، مشاهد التحطيم والسرقة، رؤوس التماثيل السومرية والبابلية المهشّمة ثم تسمع بروباغاندا السبي البابلي الذي قاده الملك البابلي نبوخذ نصر وكل ذلك المجد ومجتمع الحرب في مقابل جوقة لصوص وجنود مارينز يشهدون تهشّم الرموز أو حملها في عربات قذرة يدفعها لصوص صغار لا يدركون غالبا قيمتها لكنهم أسهموا في تحقيق دبلوماسية تخريب الذاكرة الجمعية العراقية الذي صار فيما بعد ليس محوا لتلك الذاكرة بل جنونا طائفيا طافحا، وهنا سوف يبقي المتحف مجرد مبنى خاو لا تعني الأمجاد الكامنة في أروقته كثيرا بعد أن تم انتهاك عذرية المكان مرارا.

هنا وعبر بانوراما عريضة يحشد المتحف وظيفته في المثاقفة، يؤدي تلك الوظيفة كاملة، منذ لحظة الدخول إلى عتمة المكان وأضوائه الخافتة وبقع الضوء المسلّطة على النفائس أو طريقة عرضها وتنسيقها لكنه سوف يتخلى عن تلك المهمة التمايزية ساعة أن ينبثق الجدل حول وظيفة المتحف في احتضانه أمجادا وعصورا ذهبية، وفي قراءة أخرى بأنها أمجاد انطوت على فضائع ومآس، يتكرر ذلك فيما يتعلق بمسار حضاري لأمم سادت ثم بادت أو بأنظمة سياسية وفي كل الأحوال سوف يكون سؤال التاريخ حاضرا فيما المتحف لا يتخلى عن وظيفة المثاقفة لكنه يترك لنا الوفرة الطافحة المتعلقة بالتمايز الثقافي المفضي إلي جدل لا ينتهي.

كاتب من العراق

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر