الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

خطاب البغدادي الأخير كشف انهيار العلاقة السرية مع تركيا والإخوان

إيران ترى بأن داعش لا تقضي عليها عسكريا إلا بالتحول المذهبي، خصوصا وأن الجانب الشيعي بدا مصرا على أسلمة المجتمع في وقت حرج، وهذا دليل على جدية المشروع الإيراني.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/11/06، العدد: 10447، ص(6)]

خطاب الخليفة أبو بكر البغدادي الأخير يرثي رفيقيه أبو محمد العدناني وأبو محمد الفرقان وينتظر المعجزة. يستشهد بقصة فرعون وموسى ويدعو إلى التخريب والتفجير والقتل في كل من تركيا والسعودية. الخليفة اليائس يريد عمليات تفجير إرهابية في السعودية وتركيا، كما طالب ليبيا بتفجيرات في أوروبا وتوسيع المعركة.

غضب البغدادي من أردوغان والإخوان يوحي كما لو أن هناك اتفاقا قد انكسر بينهما، على خلفية تصدع العلاقة بين السعودية ومصر والتقارب مع تركيا. ويمكننا التساؤل متى سيطر داعش على الموصل؟ أليس بعد خلع محمد مرسي من عرش مصر وضرب الإخوان المسلمين هناك.

وكأن هناك مَن أراد أن يوحي بأن ضرب الإسلام الإخواني (المعتدل) الذي يفوز بالسلطة بصناديق الاقتراع، يؤدي مباشرة إلى انفجار النسخة السلفية المتشددة والإرهاب. البغدادي لأول مرة يشتم الإخوان علنا في خطابه الأخير مذكرا العراقيين بمقولة صدام حسين “لقد غدر الغادرون” فور انطلاق عمليات تحرير الكويت عام 1991.

الإخوان يعتقدون لمجرد أن خليفة الدواعش قد شتمهم علنا، كما شتم السعودية، فهذا يعني صك غفران لهم من الإرهاب وصدور عفو سعودي شامل. أنا لا أرى ذلك، بل أرى تحالفات تتغير حسب الظروف، مثل دعم الإخوان للقاعدة (جبهة النصرة) فالإخوان متورطون بدعم جبهة النصرة، وهي فصيل إرهابي تابع للقاعدة. كان الجولاني قياديا منشقا عن البغدادي، وقد تنافس كل من داعش والنصرة على قطع الرؤوس والترويع لفترة من الزمن.

ربما أردوغان قد خدم المشروع الإيراني أكثر من داعش، فما هذا الدعم للميليشيات السنية المسلحة؟ وما هذا العبور للجهاديين عبر حدود تركيا؟ أليست النتيجة هدم المدن المهدمة في كلّ من سوريا والعراق وزيادة التبادل التجاري بين تركيا وإيران، حتى وصل إلى أربعين مليار دولار سنويا؟ أليست النتيجة تحالف أردوغان مع روسيا بعد الانقلاب العسكري ضده، وهو يشك بأصابع أميركية من ورائه؟

مشروع الحزب الإسلامي الإخواني في العراق، ونشاط كل من سليم الجبوري وإياد السامرائي والنجيفي من تمجيد للحشد وزيارة قاسم سليماني وإيران. إذن الإخوان عندهم تحالفات غامضة مع المشروع الإيراني. والسنة لم يستفيدوا شيئا من الإسلاميين، مجرد خراب ولاجئين ومشاكل ومؤامرات على حياة الشعوب.

زعيم الحزب الإسلامي في العراق يقول أنا مع إيران طالما إيران تخدم مصالح العراق، ومع تركيا طالما تركيا تخدم مصالح العراق، ويقف على مسافة واحدة بين تركيا وإيران. طيب كيف يقولون إن داعش إيرانية؟ هل الإخوان يقفون على مسافة واحدة من داعش وإيران وتركيا؟

القيادي الإخواني محمد عياش الكبيسي يقول بما أن داعش لم يهدد إيران فقد أثبت ولاءه الصفوي. لماذا يهدد إيران؟ في نظر البغدادي إيران دولة ولاية فقيه شيعية تدعم الشيعة، هو يهدد الدول السنية التي تضرب الجهاديين وتحاصرهم. يهددهم بالإرهابيين السنة محاولا إثارة انشقاقات هناك. فبماذا يهدد دولة شيعية مركزية مثل إيران؟ ثم إن التفجيرات في طهران لا تثير انشقاقا داخليا، بل بالعكس تقوّي الحكومة وولاية الفقيه لمواجهة الوهابيين والنواصب.

ثم لماذا على داعش زعزعة إيران؟ لماذا لا يزعزعها الجيش الحر والإخوان المسلمون؟ ألا يقولون إن إيران ترسل إليهم ميليشيات ومقاتلين؟ لماذا لا يرسلون مقاتلين يضربون منشآت إيران الحيوية؟ إيران تحاصر الإسلاميين السنة، ولا وجود للنشاط الوهابي السلفي فيها، لهذا ليس عند البغدادي أتباع يهددون أمن دولة شيعية مركزية، بالمقابل هناك نشاط سلفي في السعودية وتركيا وأوروبا، وبعضهم مصاب بالعصاب الداعشي.

ما هو المرض الداعشي؟ أليس أن تقرأ السيرة وتحاول العودة بالزمن إلى الوراء دون اعتبار لحسابات العصور؟ أن تمجّد الآخرة أكثر بكثير من الدنيا؟ أن تؤمن حقا بخلود النفس، فحين تموت لا تفنى الروح ، بل ينقطع النفس ويتوقف القلب وتعود الروح راضية مرضيّة. النفس المطمئنة تبقى سرمدية، هذا هو باختصار الفكر الداعشي. إنهم يؤمنون بأن القتلى ليسوا أمواتا بل أحياء.

الفرق بينك وبين داعش هو التعايش بين عقلك الديني وعقلك العملي الواقعي، بينما الداعشي يلغي عقله العملي والواقعي ويحتفظ بعقله الديني فقط، فيصبح الدين ليس العائلة والتجارة وإدارة الحياة الشخصية فقط، بل يصبح دينا عمليا حركيا وثوريا ومحاكاة لما قام به النبي الذي هاجر وجاهد وأمر بالفتوحات، واقترح كما يروي السلفيون أن تكون أفعاله سنّة لمن يأتي بعده، أي اقترح على أتباعه أن يكونوا أمناء على تكرار ما قام به.

على طريق مفخخة

الدواعش يقولون إنهم “على منهاج النبوة” والنبيّ لم يحارب كسرى ابتداء بل حارب عشيرته الأقربين وفتح مكة، ثم حارب كسرى. الموضوع الأساسي في الوهابية هو اعتبار أنفسهم فقط على حقّ. والهجوم على الموصل لن يقضي عليهم، والعدناني محق بإلقائه اللوم على التعليم الديني. طالما نعلم أبناءنا التعاليم الدينية كما هي، فإن داعش باقية في الصدور.

طبقة رجال الدين لا توافق على سحب امتيازاتها لأجل العلمانية وتحرير الإنسان من التطرف الإسلامي، لا يريدون تطوير أنظمة الحكم، ولا حرية المرأة، ولا تجاوز الشريعة بقانون مدني، ولا تحديد موقف واضح من القانون والمقدس والحريّة الفكرية.

تحرير الموصل سيضع الجميع أمام كارثة وطنية. فليس تهجير المسيحيين من الموصل إلا تتويج آخر لتهجيرهم من البصرة وبغداد على يد الميليشيات الشيعية وسياسة الفرهود، ولكن كارثة بيع الإيزيدية وهي مواطنة عراقية أصيلة إلى رجل أجنبي بحجة أنه موحّد ومجاهد، وهي (مشركة كافرة) تبقى من أكبر الصدمات العراقية وأفظع عار وطني. الإيزيدية ليست من الأمّة في نظرهم، فهذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون.

المجاهد الشيشاني هو معهم كالجسد، كمثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم إذا اشتكى عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى. الشيشاني أخوهم في الدين والجهاد وهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، بينما الإيزيدية العراقية (بنت البلد وتاج الرأس) مجرد سبيّة، والرافضي مجرد مشرك ضال وعدو. فكيف بعد عامين من احتلال هذه الأفكار للموصل سنعود إلى أن الرافضي مواطن، والإيزيدي مواطن، والسرياني المسيحي مواطن ونحن جميعا أبناء وطن واحد، والعدوّ هو المجاهدون والموحدون؟ ألسنا بحاجة إلى إعادة تأهيل وتثقيف وطني جديد؟

ستسيل دماء كثيرة في الموصل قبل أن يستقر الأمر على حال، خصوصا تدخل أردوغان واقتراح تركيا بحماية نينوى من حمام دم. إنه اقتراح بأن تكون الهوية العثمانية لمدينة كبيرة كالموصل نوعا من الخلاص. إنها قفزة خطيرة إلى الأمام.

إيران ترى بأن داعش لا تقضي عليها عسكريا إلا بالتحول المذهبي، خصوصا وأن الجانب الشيعي بدا مصرا على أسلمة المجتمع في وقت حرج، وهذا دليل على جدية المشروع الإيراني. خذ مثالا منع الخمور في الأسواق والسفور في الجامعات وانعقاد “المجمع العالمي للصحوة الإسلامية في بغداد” بحضور مستشار الولي الفقيه علي أكبر ولايتي. هذا معناه أن إيران تؤكد على أن نهاية داعش تعني نهاية الإسلام السياسي السنّي وليس الشيعي.

داعش يثير مزاجا علمانيا لدى السنّة، ولكنه يستفز مزاج انتصار شيعي، وعليهم استغلال ذلك لإرغام فلول العلمانيين السنة على التشيع مقابل الأمان بالمدارس والأطفال ودور العبادة. الدولة تمتلك البترول، ويمكنها العمل بالتشيع مقابل الطعام. لا توجد مشكلة في هذا،، ولكن داعش ستظهر في مراكز أخرى بكل تأكيد بعيدا عن العراق ربما. وهذا ما يشير إليه تهديد البغدادي لكل من السعودية وتركيا.

لقد سال لعاب الإخوان المسلمين بعد صدور قانون جستا الأميركي، يريدون ببساطة استدراج المليارات السعودية من الولايات المتحدة إلى تركيا، مع التحريض على مقاطعة مصر. وهذا سر التعاون التركي للقضاء على داعش مؤخرا، رغم ذلك التاريخ من المماطلات وغض النظر عنهم.

اقترب الحساب وتصاعد الحيص بيص. أهل الموصل المدينة القديمة يريد بعضهم أن يقول إنه لا يوجد موصللي “قحي” اشترى سبية إيزيدية أو له يد في العنف والإرهاب. هذه ممارسات الريف والقبائل، سواء من ريف الموصل أو من المهاجرين العرب. مدينة الموصل تحاول ربط نفسها بالعثمانية، لأن الوهابية ودعوة التوحيد أساسا وتاريخيا هي إسلام قبائل.

فقد اعتبر السلطان العثماني الوهابية دعوة خوارج منذ القرن التاسع عشر، وأرسل يأمر والي مصر محمد علي باشا بتوجيه جيش للقضاء على الدولة السعودية الأولى، وفعلا ذبح إبراهيم باشا جنود التوحيد الوهابي، وحاصر الدرعية وأرسل أميرها الإمام عبدالله بن سعود إلى إسطنبول حيث أُعدم بقذفه أمام فوهة مدفع، أمّا إسلام الموصل المدينة القديمة فهو إسلام عثماني إخواني مثل مصر وتركيا.

هي محاولة من الموصل المدينة للتخلص من تهمة السلفية. المشكلة هي أن الريف أيضا قد انضم إلى الحشد الشعبي. وهذا العجوز الصيني الذي هاجر للجهاد مع أبنائه من الصين إلى الموصل حيث عاصمة “أمة المليار” وظهر في إصدار داعشي، هل هو محسوب اليوم على الريف أم على الموصل القديمة؟

داعش يثير مزاجا علمانيا لدى السنّة، ولكنه يستفز مزاج انتصار شيعي، وعليهم استغلال ذلك لإرغام فلول العلمانيين السنة على التشيع مقابل الأمان بالمدارس والأطفال ودور العبادة

الدكتور خيري العمري يكتب عن مدينته الموصل بقلق من الريف السنّي على المدينة، إنه يستذكر مساهمة هذا الريف بعد ثورة الشواف 1959 في ترويع مدينة الموصل وارتكاب الجرائم بتحريض من الشيوعيين وحكومة الرئيس عبدالكريم قاسم. إن العمري يقول إن مدينة الموصل مسالمة، ولا تميل إلى التمرد، فالشواف ضابط بغدادي، مثلما أن البغدادي الداعشي اليوم هو فقيه سامرائي، وأن الموصل المدينة نشأت منذ قرون على القيم العسكرية العثمانية من الطاعة والانضباط واحترام القانون.

بصراحة هذه كتابات تستجدي الولاء العثماني وحماية أردوغان للمدينة في هذه المحنة العظيمة. العمري يقول إن أهل الموصل الأصليين عاشوا في حالة عزلة عن الريف المحيط بهم، وبسقوط الدولة العراقية سقطت المدينة، لأن الجماعة يعيشون من الوظائف الحكومية العليا خصوصا الجيش والتعليم العالي.

الكاتب يربط حالة الموصل بعد الاحتلال 2003، بوضعها في بداية القرن السادس عشر أيام الاحتلال الصفوي للمدينة. حيث تحولت إلى قرية صغيرة بسبب إصرار الصفويين على احتقار المذهب السني كما يقول. أربعة قرون من التربية العثمانية وتطوّع في الجيش العثماني أصبح خلالها ابن الموصل يتمتع بتكوين خاص هو تركي عثماني. إنه يحاول التماهي مع مقولة أردوغان “الموصل ليست جغرافيا، فهي موجودة في روحنا”.

حالة من التمزق والهذيان تعم الموصل بسبب الخوف من القادم، وهناك طموحات إخوانية كبيرة قد تصل إلى درجة المطالبة بضم الموصل إلى تركيا. هذيان مناطقي وعنصري، وكل طبقة تحاول رمي المسؤولية عن ظهور داعش على أختها. وهناك قلق كبير من انتشار العنف والإرهاب بعد تهديد الخليفة البغدادي الأخير لتركيا تحديدا بأعمال انتقامية.

كاتب من العراق

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر