الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

كن قبيحا..!

لن أسرد لكم ردي عليه وقد استبدت بي غيرتي على وطني.. وأرجو أن تعذروا لغتي وأنا أنقل لكم البعض مما قاله ذلك الرجل.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/11/09، العدد: 10450، ص(21)]

"أكره هذا المكان.. أكرهه.. ولا أشعر بالانتماء إليه.. أكره كل شيء فيه.. الأماكن والناس والشوارع واللهجة.. تستفزني اللهجة ويزعجني الناس وهم يتحدثون بها.. وأجد تصرفاتهم لا تناسبني ولا تناسب ثقافتي وطبعي.. أكره النظام والحكومة والقوانين العشوائية المجحفة بحق الغريب.. كل شيء هنا سيء.. لا شيء في هذه البقعة من الأرض يمكن أن يكون مريحا أو ممتعا أو مفيداً..".

هذا ما كان يحدثني به كلما سألته عن حاله في تلك الأرض العربية التي اضطرته الظروف إلى العيش فيها حين هجر وطنه الأم بعد أن ضاقت به سبل العيش فيه وطال تمدد الحروب.. وحين تمكن أخيرا من هجرة ذلك البلد العربي إلى إحدى البلاد الغربية.. وكنت أسأل عن حاله فلم تكن إجابته بأفضل من سابقاتها.. فكان يكرر شاكيا:

"لا يمكن لأي مكان في الدنيا أن يشبه وطني.. كل شيء هنا لا يشبهه.. فالناس مختلفون والأماكن والشوارع وواجهات المحلات والأضواء والمحطات والقطارات واللغة.. يا إلهي!.. أكاد أفقد أعصابي وأنا أسمع الناس يرطنون بها وأنا أكاد ألا أفهم منها إلا القليل.. كل شيء حولي يشعرني بالغربة القاتلة.. المناخ.. تقاليد الناس.. المأكل والمشرب والمتع.. حتى الأشجار والورود المتباهية بألوانها زرعت بداخلي شعورا خانقا بأنها بلا روح.. وكأنها مصنوعة من البلاستيك!.. صرت أرى الأعياد هنا وكأنها مآتم وأجد صخب الناس فيها وبهجتهم وكأنه عويل.. القوانين الصارمة تعيق حريتي وتضطهدني رغم أنهم يرفعون شعارات الحرية والديمقراطية.. وهم عنصريون وإن لم يجهروا بذلك.. أنا ضائع منذ تركت بلدي.. ضائع".

وإذ حصل على جنسية ذلك البلد واختار العودة إلى وطنه حين بدأ الأمل يتسلل إلى نفسه برؤية الوطنالحلم.. عاد إليه.. وشغل منصبا مرموقا ساعده في الحصول عليه أحد أصحابه “المناضلين” العائدين إلى الوطن بعد طول غياب.. وإذ سألته عن حاله بعد حين قال لي:

“أنا لا أصدق ما أرى.. ما هذا التخلف والانحطاط وما هذه القذارة؟.. هل هذا هو الوطن الذي كنا نحلم بالعودة إليه؟.. وماذا جرى لأخلاق الناس؟.. كيف فقدوا تحضرهم؟.. لماذا يتصرفون بهمجية وكأنهم خارجون من كتب ما قبل التاريخ؟.. أفكارهم عجيبة ومفاهيمهم لا أفهمها.. أمس في أحد الازدحامات المرورية القاتلة وأنا في طريقي إلى عملي كنت أراقب ردود أفعالهم وتوترهم وعصبيتهم غير المبررة.. حواراتهم البذيئة وأذواقهم الرخيصة.. الذوق الهابط اجتاح كل شيء في البلد من المأكل والملبس والبنيان إلى أسلوب الحياة.. حتى الطقس أكاد ألا أستوعب أنه طقس آدمي.. هل أودى ثقب الأوزون بهذا المكان ففقد آدميته؟.. لا أظن أنني قضيت أيام طفولتي وشبابي في مثل هذا الحر المجنون!.. لا أدري كيف يعيش الناس في هذا الجو وبين الأنقاض والأزبال والذباب دون أي إحساس بالقرف!..لا أمل في هذا المكان.. سأعود من حيث أتيت!”.

لن أسرد لكم ردي عليه وقد استبدت بي غيرتي على وطني.. وأرجو أن تعذروا لغتي وأنا أنقل لكم شيئا مما قاله ذلك الرجل الذي يمثل نموذجا لشريحة من الناس المتشائمين الذين لا يمكن أن يروا إلا السوء والسلبية في أي شيء وأي شخص وأي مكان.. ولا أشك أن مثله يمكن أن يكون في فردوس النعيم وهو يشكو من سوء الحال..

صباحكم تفاؤل..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر