الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الرواية رقصة تانغو

تخيّلت صورة التانغو الذهنية، هذه، مرات عديدة وأنا أقرأ روايات تجافي الرقص، تلك التي تبدو كأرض يباب، “مقبرة براغ” مثلا لأمبرتو إيكو، بأجوائها الكابوسية العسيرة الهضم.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/11/09، العدد: 10450، ص(15)]

التانغو لا يُرقص، يُجرّب ويُعاش بخفة الحساب، وعنف الشهوة، قد يكون كناية صلدة، أو تسلسلا فاجرا، لا يهم، فامتناعات البصر شتى، تلك التي تهذب التآويل العارية، لهذا لا يمكن أن تسأل عتاة التانغو عن المعاني، يمكن سؤالهم مثلا عن الوقت والجهد والعرق، وما تبقى بعد تحوّلهم المؤقت إلى لوحة ثلج، تذوب وقوفا، كما لا يمكن تفسير الأناقة المبهرة لتصميم المعاطف والتنانير المسربلة لأجساد الراقصين، ولا تأويلها يمكن فقط الاستسلام لخدرها وهي ترحل بالعين بين برازخ “الهُنا” و”الهناك”، في تفاصيل تضامّ الجسدين وتنائيهما، وفي النهاية قد ننسى الموسيقى، ونتخيلها نابعة من صلب الحركة الصلدة الموقعة، والمتدفقة كشلال نشوة على أنفاسنا ونظراتنا نحن المتخشبين أمام المشهد، ننساها أو نتناساها، ونحاول تصديق وهمنا بأنها آتية من فجوة جارحة هناك.

تخيّلت صورة التانغو الذهنية، هذه، مرات عديدة وأنا أقرأ روايات تجافي الرقص، تلك التي تبدو كأرض يباب، “مقبرة براغ” مثلا لأمبرتو إيكو، بأجوائها الكابوسية العسيرة الهضم، ونبرتها الساخرة من كل الأجناس والملل، من اليهود والألمان والكاثوليك والفرنسيين والماسونيين والبورجوازيين والعمال ورجال الدين، ومن العاصين والتائبين والخارجين برغبة الضحك على العالم، والنائحين على موتى الأوبئة الكريهة… كنت في كل مرة أحسّ بالإعياء والتيه بين ثنايا الشخص المنفصم إلى شخصين، سيميونيني المزيّف، المحترف في إيهام الناس بوجوه لا تفتأ تتغير، كنت ألهث وأنا أتابع التحولات بين سراديب تورينو، والساحات والعمارات القديمة في باريس، والقصور المنسية ودور العبادة الكئيبة في باليرمو القرن التاسع عشر، وأخرج من التجربة كقطعة ثلج تذوب إجهادا… أيّ شيء يمكن أن تكون رقصة التانغو سوى هذا التّمفصل الذي يجعلك تتماهى مع كائنين يتوحدان وينشقان إلى “قسّ” و”مجرم”؟ وأيّ شيء آخر يمكن أن تكون براعة الحساب واللهث وراء الخطو في إيقاعه لرقصة التانغو، إلا هذا الانسياب بين الظلال والأضواء الحارقة لعوالم الرواية المهلكة؟

لن أستعيد هنا نصوصا شيّدت محكياتها البديعة على الرقص، ولن أستحضر نص “زوربا” ورقصته الخالدة، في عمل اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، ولندع رقصة البطل رامون الحابية من الفطرة إلى العبقرية في “موت الراقصات” للأسباني أنطونيو صولير، ولننس قليلا رقص هاروكي موراكامي ورقص كونديرا ودوس باسوس وبالخصوص رقص نجيب محفوظ المفتت للمهج، فهي تنويعات تسهلّ تحويل المعنى إلى لعب على حافة الموت. ولنبق في حدود التانغو الصعب والشهواني والعاري والباطني والقاتل للمواهب الضعيفة. يبدو هذا وحده مجاز الرواية، حين تأخذنا إلى متعة عسيرة تجعلنا نتصبب عرقا.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر