الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

بوش الثالث

انتخابات 9 / 11 التي جاءت بدونالد ترامب رئيسا، لا تقل أثرا عن أحداث 11/ 9 التي صنعت جورج بوش الابن، ومثلت لبنة سياسته المحلية والدولية على أكثر من 8 سنوات.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/11/10، العدد: 10451، ص(8)]

تتقارب الصورة بشكل كبير بين الانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2001 والانتخابات الرئاسية 2016، حيث أتت صناديق الاقتراع بشخصية جمهورية هي أقرب ما يكون من “أقصى الجمهوريين” من الحزب بذاته، ككيان تنظيمي له رؤاه ومقارباته في الملفات المحلية والإقليمية.

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ دونالد ترامب يمثل الاستمرارية السياسية والفكرية لعائلة جورج بوش الأب والابن، سواء من حيث العنجهية في الخطاب، أو في تمثّل مستقبل العلاقات الإستراتيجية، أو في استكناه دور واشنطن في المدى القريب والبعيد.

استطاع دونالد ترامب أن يلعب جيدا على مفهوم وفكرة المجد الإمبراطوري الأميركي في التوسّع والامتداد ومقارعة القوى الإقليمية والدولية، مستثمرا بذكاء حادّ إستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما في الانسحاب من الجغرافيا الشرق أوسطية، وترك المجال لتوسّع روسيا كقوّة أساسية ومركزية في المنطقة العربية عامة، وخاصة في سوريا.

من الواضح أنّ فكرة الغياب عن المشهد الإستراتيجي العالمي لا تروق كثيرا للأميركيين الذين كذّبوا بقوة تكهنات شركات سبر الآراء. فمن غير المستساغ للرأي العام الأميركي أن يشاهد قوته الإمبراطورية في أفول متزايد ومطرّد، بعد أن سيطرت واشنطن على المسرح الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، وتمكنت من فرض قوتها الناعمة والخشنة في وقت واحد.

لعب ترامب بشكل حصيف أيضا على ثنائية التهديدات الأمنية وأساليب التوقي والمحاربة، ذلك أنّ وضعية التقوقع التي اعتمدها أوباما من ملفات الشرق الأوسط وأسلوب الانسحاب البطيء من الجغرافيا الملتهبة لا يمكنها أن تقي أميركا من لهيب الإرهاب الداخلي والتهديدات الأمنية سيما في وقت الذئاب المنفردة والمنفلتة والإرهاب المعولم. ما جعل ترامب يطرح لأكثر من مرة، وبذات أسلوب جورج بوش الابن والأب، منهجية الاستباق لضرب الإرهاب وإستراتيجية الاستئصال، وهي منظومة أضرت بصورة واشنطن كثيرا في العالم، ولكنّها تماثلت أيضا مع مفهوم الأمن ما بعد الحداثي في أميركا حيث الأنانية المفرطة في الحفاظ على الأمن الداخلي.

الحقيقة التي لا بدّ أن نقف حيالها كرأي عام عربي كامنة في أنّ ترامب متناسق مع سياقه أكثر من هيلاري كلينتون التي كانت ظلاّ تعيسا للرجل الضعيف في البيت الأبيض باراك أوباما ومجرّد ملحقة سياسية بتاريخ الرئيس الأسبق بيل كلينتون.

التاريخ السياسي المرموق لشخصية كاريزماتية مثل بيل كلينتون يصنع من هيلاري كلينتون المرأة الأولى في أميركا، ولكنّه لا يصنع لوحده رئيسة أكبر دولة في العالم.

لعب المكتب الفيدرالي الأميركي لعبته مع هيلاري كلينتون بشكل بعثر أوراقها السياسية الدعائية، فليس من السهل أبدا لمرشحة انتخابية للبيت البيضاوي أن تكون محاصرة بين فضيحتين اثنتين؛ الفضيحة الأولى دبلوماسية مع قضية اغتيال السفير الأميركي في بنغازي، والثانية استخباراتية مع مسألة البريد الإلكتروني لهيلاري، وفي الحالتين يبدو أنّ البحث عن الدور الذي لعبته المخابرات الأميركية في الانتخابات الرئاسية الحالية جدير بالبحث والتقصي.

من الواضح، كما أسلفنا الذكر، أنّ دونالد ترامب متماه مع سياقه الإستراتيجي الدولي، لا فقط لأنّ معظم العواصم الغربية والعربية باتت محكومة من اليمين الهوياتي المحافظ وفق مقدمات الخطر الإرهابي، وهجرة اللاجئين، وقضايا الهويّة والأقليات، ولكن أيضا لأنّ ترامب يمثّل نهاية مقولة التغيير السطحي الذي دعا إليه باراك أوباما في وقت سابق، وصدقه البعض في العالم العربي، وبالتالي المزيد من الانخراط في الملفات العربية.

انتخابات 9 / 11 التي جاءت بدونالد ترامب رئيسا، لا تقل أثرا عن أحداث 11/ 9 التي صنعت جورج بوش الابن، ومثلت لبنة سياسته المحلية والدولية على أكثر من 8 سنوات.

واليوم نحن إزاء زلزال يتطلب منا النظر إليه مليا وفهم بواطنه بالكثير من العمق، وعدم التسرع في تقديم الأحكـام والملاحظـات والاستنتاجات، حيث أنّ ثنائية الثابت والمتغير لا تزال تحكم الولايات المتحدة الأميركية مهما كان لون أو اسم الرئيس.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر